أخبار العالمأخبار عاجلةمقالاتمقالات وأراء

إذا أردنا الليثيوم علينا السماح للصين بتمويله

الغرب يتحدى ريادة بكين في قطاع الليثيوم رغم إضرار ذلك بالأهداف الاستراتيجية

كتب أسامة صالح 

أفضل طريقة لاختبار الكياسة التي تشتهر بها كندا هي شراء شركات التنقيب والحفر الموجودة فيها، فعندما يتعلق الأمر بمعدن الليثيوم، يبدو الأمر وكأن الدولة لا تتغاضى حتى عن شراء حصص الأقلية في هذه الشركات، حيث طلبت أوتاوا للتو من مستثمرين صينيين يدعمون 3 منتجين محليين للمعدن المستخدم في صناعة البطاريات بالتخارج من استثماراتهم.

وقد لا يكون هذا الطلب مفاجئاً نظراً للخلاف المتزايد بين الصين والغرب. لكن السؤال الحقيقي هنا هو: هل يساعد ذلك أهداف كندا الاستراتيجية فعلياً أم يعيقها؟

إن الاستثمار الأجنبي في الموارد الطبيعية لبلد ما غالباً ما يعود عليه بأعباء معنوية جمة، كقرون من الحروب للسيطرة على الموارد والاستعمار. وتاريخ النفط خير دليل على ذلك، فهو حافل بصراعات من هذا النوع.
مع ذلك، موّل هذا القطاع تطوير حقول عملاقة عبر تحالفات شركات من جميع أنحاء العالم، والسبب هو أن هذه الطريقة مجدية لزيادة رأس المال.

وفي ظل إدارة المخاطر الجدّية للغاية التي تمثلها الهوية المزدوجة للصين -كونها تشكل قوة تصنيعية كبيرة ونظاماً استبدادياً في الوقت نفسه- ما يزال هناك مجال لاتخاذ قرارات مفاجئة بدلاً من الاستمرار في علاقة غير مدروسة.

يعتبر الليثيوم معدناً استراتيجياً لأنه ضروري لإنتاج ملايين البطاريات المطلوبة لتحقيق أهداف إزالة الكربون، التي تطمح إليها كندا مع العديد من البلدان، ومنها الولايات المتحدة.

مع ذلك، مثلما ظهر هدف الانبعاثات الصفرية كأولوية في رسم السياسات، كانت الصين جزءاً منه، وهذه مشكلة لأن الصين تسيطر وحدها على 70% أو أكثر من أحد عشر قطاعاً رئيسياً من سلاسل التوريد العالمية للطاقة الشمسية والبطاريات، بما فيها تكرير الليثيوم.

والصين ليست وحدها الغنية بموارد الليثيوم عالية الجودة، فهناك أيضاً أستراليا وتشيلي، وهما أكبر منتجتين عالميتين له. إلا أن بكين بدأت في إعطاء دفعة استراتيجية منذ عشرة أعوام لإنتاج البطاريات، في حين كانت كندا أكثر هوساً بمواد أخرى مثل البوتاس، وانشغلت الولايات المتحدة بالنفط الصخري والغاز.

نظراً لأن الليثيوم صعب للغاية في المعالجة -خاصة عندما يكون صافياً بما يكفي لإنتاج البطاريات- أنشأت الصين مراكز تكرير على مستوى عالمي وقطاعاً لصناعة السيارات الكهربائية، وذلك حتى تستطيع إبرام عقود شراء طويلة الأجل بسهولة ثمّ تمول الاستحواذ على حصص في مناجم الليثيوم وشركات التعدين في دول أخرى. وبرزت مجموعة “غانفينغ ليثيوم” و”شركة “تيانكي ليثيوم” كقوى عالمية متكاملة رأسياً في صناعة الليثيوم.

تلعب هذه الشركات دور الحارس الأمين لريادة الصين للقطاع، لكن يجدر هنا ذكر أنه في غياب السياسات الصناعية في البلاد ربما لم يكتب للعديد من مشاريع الليثيوم الأحدث الانطلاق فعلياً (والأمر ذاته ينطبق على الطاقة الشمسية الرخيصة). ولطالما عانت شركات الليثيوم قديماً لجمع مبالغ التمويل -حتى الزهيدة منها- للتنقيب عن المناجم أو حتى البدء بالاستكشاف.

كما أن إسراف “إيلون ماسك”، الرئيس التنفيذي لشركة “تسلا”، في شراء أحد شبكات التواصل الاجتماعي مقابل سعر مبالغ فيه يقدر بنحو 44 مليار دولار، لا بد أنه أثار حنق شركات التعدين الصغيرة.

بالنظر إلى دور الاستثمار الصيني في قطاع الليثيوم علينا التوقف عند طبيعة هذا المورد نفسه، نحن لسنا بصدد بنى تحتية حيوية كشبكات الطاقة أو مصانع الرقائق الالكترونية، أو حتى شبكة تواصل اجتماعي مبالغ في تقدير ثمنها. فمناجم الليثيوم هي موارد موجودة تحت الأرض، ولن ينقل إنتاجها عبر المحيط الهادئ بأحجام ضخمة. وفي حالة تدهور العلاقات مع الصين وتحولها إلى عداء صريح؛ يمكن الاستيلاء عليها بسبب حقيقة أنها تقع في أراضي الدولة المضيفة، وليس في الأراضي الصينية.

للتأكد من هذا الأمر، اسأل أي شخص عجوز يعمل منذ القدم في شركات النفط الكبرى ويتذكر ما حدث في السبعينيات، أو موظفاً كان يعمل في روسيا وشهد ما وقع هناك خلال العام الجاري.

حالياً تدرس المكسيك مصير امتياز الليثيوم الذي اشترته شركة “غانفينغ” قبل التأميم الأخير لقطاع الليثيوم في البلاد. ويوضح تصريح الرئيس المكسيكي “اندرس مانويل اوبرادور” الأخير أنه لا يكترث لتنفيذ البنود الدقيقة للعقود، حيث قال: “يمكنهم القول إن الاتفاق لا يجوز تعديله بأثر رجعي، لكن الليثيوم الآن أصبح مِلكاً للأمة”.

هل يريد المستثمرون الصينيون معروضاً مضموناً لاستثماراتهم؟ أجل، لكنّ تمويل المناجم يتم عن طريق بيع الإنتاج المتوقع بموجب عقود طويلة الأمد. وأن تمتلك الصين بعضاً من هذه العقود ليس أمراً سيئاً على المدى القريب، نظراً لأن الغرب يفتقد قدرة المعالجة المطلوبة في كل الأحوال.

هل ستكون للصين عيون على قطاع الليثيوم الغربي وتقنيات تعدينه؟ محتمل، لكنّ هذا قابل للنقاش على خلاف المخاوف الاعتيادية من نقل التكنولوجيا، وهنا فإن دخول الصين القوي يعني أن عملية النقل ستحدث على الأرجح بالاتجاه العكسي.

إن الضرورة الاستراتيجية للدول الغربية مثل كندا والولايات المتحدة فيما يرتبط بالليثيوم تكمن في بناء سلاسل التوريد المحلية بسرعة كافية لإحداث فرق في التخلي عن الكربون، مع تخفيف الاعتماد على المنتجات الصينية.
والسؤال الآن هو: لم لا ندع الشركات الصينية تمول إذن هذا المسار إن هي أرادت ذلك؟. وإلا فإن القائمين على مناجم الليثيوم المحليين سيطلب منهم التحرك، في نفس الوقت الذي ينصحون بتجنب أحد أكبر مصادر التمويل المتاحة للقيام بذلك.
وقد تكون النتيجة اضطرار الحكومات نفسها إلى تمويل الجزء الأكبر من رأس المال المخاطر.

خطوة كندا تتلاءم أيضاً مع روح العصر المتمثلة في تنامي التدخل الحكومي في أسواق الطاقة والسلع، والتي تتفكك تحت ضغوط الحرب وردات الفعل العنيفة المناهضة للعولمة.

ختاماً، يمكن القول إن الاحتكاك الحتمي سيعرقل الهبوط طويل الأمد في تكاليف التكنولوجيا النظيفة، الذي جعل هدف الوصول لصافي الانبعاثات الصفرية قابلاً للتطبيق بعدما كان مجرد طموح في السابق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق