أخبار العالمأخبار عاجلة

ارتفاع الرسوم البنكية يثقل كاهل التونسيين

تثير خدمات البنوك في تونس انتقادات العملاء بسبب ارتفاع كلفة الخدمات البنكية والاقتطاعات وزيادة فوائد القروض بطريقة مبالغ فيها، علاوةً على تعمد بعض البنوك تأمين الخدمات بمقابل، مع أن البنك المركزي أقرها مجانية.

وفي خضم تدهور القدرة الشرائية لمعظم التونسيين وحاجتهم الماسة إلى موارد مالية يضطرون إلى التوجه للبنوك التجارية للحصول على قرض بنكي أو القيام بعملية مالية بسيطة لتحصل المفاجأة بتوظيف عمولات واقتطاعات على العميل الذي يذعن للبنك للحصول على الأموال. ويؤكد جل العملاء أن العلاقة بين البنوك والعملاء يسودها التوتر وانعدام الثقة.

غياب الشفافية

صلاح الورتاني وهو عميل أحد البنوك التونسية، اضطر إلى قطع تعامله مع البنك بعد أكثر من 10 سنوات من امتلاكه لحساب بنكي إثر احترازه واعتراضه الشديدين على الخدمات البنكية، مستنكراً أنه في كل مرة يتم اقتطاع جزء من راتبه بزيادة الفائدة البنكية، لكنه يعتقد أن هذه الاقتطاعات المتكررة والمرتفعة مجحفة ولا تتناسب مع راتبه.
صلاح واحد من آلاف العملاء الذين يتذمرون من توظيف كلف مرتفعة في مقابل خدمات بنكية بسيطة بالتزامن مع تدهور المقدرة الشرائية للمواطن التونسي، ولئن عبر بعضهم عن استيائهم وأعلنوا بعض التجاوزات التي ترتكب في حقهم، فإن الآخر مجبر على الرضوخ لمثل هذه الخدمات.

شكاوى عدة 

ويؤكد رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك لطفي الرياحي “أن 25 في المئة من الشكاوى الواردة على المنظمة تتعلق بالخدمات البنكية المجانية التي يتم تأمينها على رغم ذلك بمقابل، وأهمها كشف الحساب، علاوة على عدم غلق الحسابات البنكية المجمدة وفقاً لما ينص عليه منشور البنك المركزي عدد (24) لسنة 1991 ويجبر البنك على غلق الحساب بعد سنة من عدم تواتر دفوعات أو سحب”. وأوضح أن “البنوك تعمد بعد سنوات إلى الإرسال للعميل وإجباره على دفع أداءات متراكمة لسنوات، وتقبض أموالاً من دون وجه حق في حين أنه مطالب بدفع الفوائد المالية المترتبة عن السنة الأولى فقط”.
وأضاف الرياحي لـ “اندبندنت عربية” أن “استبياناً أجرته المنظمة عام 2018 على 2415 من عملاء البنوك كشف أن 74 في المئة ليس لديهم ثقة في البنوك وأن 95 في المئة لا يعرفون الخدمات البنكية المجانية وأن 84 في المئة غير راضين عن الخدمات البنكية علاوة على أن 92 في المئة لا يعرفون خطة الموفق البنكي”.

كما استنكر الرياحي الزيادة المبالغ فيها في الخدمات البنكية، لافتاً إلى أن “القروض الاستهلاكية ترتفع سنوياً بـ 19 في المئة، أي أن العميل يقترض 10 آلاف دينار (3 آلاف دولار) ويسدد 14 ألف دينار (4.6 ألف دولار)”. معتبراً أنها نسبة فائدة مرتفعة جداً على حد تقديره، متابعاً “هناك عدد من الشكاوى المتعلقة بتاريخ الفاعلية لقرض الاستهلاك الذي يقترضه الموظف على راتبه، فمن المفروض ألا يقع سحب القسط من الحساب إلا عند تنزيل الراتب لكن البنوك تقتطع قبل أجل التنزيل مما يضطر العميل إلى دفع رسوم إضافية”.
ولفت رئيس المنظمة إلى أن “البنك المركزي لم يتخذ أية إجراءات أو قرارات رادعة في شأن التجاوزات المذكورة حتى أن الموفق البنكي لا يكتسي صبغة إلزامية لفض الإشكالات”.
وأوضح رئيس المنظمة أن “14 عملية بنكية يفترض أن تقدم بصفة مجانية في حين أن عدداً من البنوك تعمد إلى خرق القانون وتؤمنها في مقابل مادي، وتتمثل هذه الخدمات البنكية المجانية في إيداع الأموال وسحبها من البنك نفسه أو من موزع آلي وفتح حساب بنكي أو غلقه وفتح دفتر ادخار أو دفتر شيكات، والخلاص عبر الشيك وتحويل مبلغ مالي من حسابك إلى حساب آخر وخلاص فواتير عبر الإنترنت أو في المساحات التجارية”.

عمليات القروض تتصدر الشكاوى

واستحوذت البنوك الخاصة على 72.5 في المئة من شكاوى العملاء المودعة لدى الموفق البنكي خلال سنة 2020، وفق آخر تقرير لمرصد الاندماج المالي، وهو هيكل يتبع البنك المركزي التونسي.

وأوضح مرصد الاندماج المالي في تقريره السنوي حول نشاط الموفق البنكي لسنة 2020 أن عمليات القروض تتصدر الشكاوى المرفوعة من خلال حصولها على حصة ناهزت 37.9 في المئة من الشكاوى الواردة.

وحلت وسائل الدفع في المرتبة الثانية بحصة قاربت 20.7 في المئة، فيما جاءت الشكاوى المتصلة بتسيير الحساب البنكي في المركز الثالث بنحو 20.2 في المئة. وأشار التقرير إلى أن 69 في المئة من الشكاوى الواردة في إطار عمليات تسيير الحساب تتعلق بمشكلات غلق الحسابات، في حين أن 40 في المئة من الشكاوى المتصلة بوسائل الدفع تخص النقديات.

وتمت معالجة 68.4 في المئة من الشكاوى في أجل يتراوح بين أسبوعين وشهر ليرتفع عدد الشكاوى المعالجة ضمن هذا الحيز الزمني من 9.9 في المئة عام 2019 إلى 28.5 في المئة خلال 2020، في حين تراجع عدد الشكاوى المعالجة بين شهر وشهرين إلى 11.9 في المئة خلال الفترة نفسها.

ولاحظ تقرير مرصد الاندماج المالي أن نسبة الشكاوى المعالجة في مدة تفوق الآجال القانونية المحددة بشهرين تراجع إلى 20.3 في المئة خلال 2020، لكن الأرقام لا تزال مرتفعة ويتعين تقليصها.

علاقة يسودها التوتر

ويرى المتخصص الاقتصادي سفيان الوريمي أن “منشوراً للبنك المركزي التونسي منذ عام 1991 وضع ضوابط محددة في العمولات البنكية وطرق الاقتطاعات، وأن هناك قائمة في العملات البنكية الخاضعة للاقتطاعات وأخرى مجانية”، مؤكداً أنه “في حال إحداث البنوك لمنتجات وخدمات بنكية جديدة فإنها مطالبة عبر منظمتها المهنية الاتصال بالبنك المركزي للحصول على الترخيص القانوني لكي توظف عمولات على هذه المنتجات والخدمات البنكية المستحدثة”.

وشدد على أن “البنوك مطالبة بنشر كل التفاصيل حول طرق وكيفية اقتطاع العمولات من العملاء، مستدركاً أن “عدداً من العملاء وأمام حاجتهم الماسة إلى القروض يقبلون بشروط البنوك المجحفة، لا سيما العمولات المرتبطة بتكوين ملف القرض”.

وعبر عن أسفه من أن “العميل ليست له القوة التفاوضية مع البنوك التي تفرض عليه عمولات يضطر أن يقبل بها للحصول على القرض وبخاصة قروض الاستهلاك”.

وأشار إلى “وجود ثمانية أنواع من القروض البنكية وفق التشريع البنكي التونسي، وأن العمولات التي تقتطعها البنوك متعددة ومنوعة إلى درجة أن العميل لم يعد بإمكانه متابعة حسابه البنكي بطريقة واضحة ومفهومة”.

وخلص إلى أن العلاقة بين العميل وكل البنوك التجارية في تونس يسودها التوتر وانعدام الثقة”، داعياً “البنك المركزي إلى التدخل بترسانة من القوانين ومزيد من تنظيم مسالة العمولات البنكية التي أنهكت التونسيين”.

تناقض كبير

وقاسم الكاتب العام لمرصد الخدمات المالية (مستقل) طارق بن جازية موقف سفيان الوريمي نفسه في تدهور الخدمات البنكية في تونس وسط ارتفاع العمولات والاقتطاعات.

وقال في تصريحات خاصة إن “كلفة الخدمات البنكية ارتفعت بين عام 2010 والآن بنسبة تقارب 70 في المئة خلال ظرف اقتصادي صعب تسعى فيه الهياكل الرقابية إلى الضغط على الأسعار وتحسين القدرة الشرائية للتونسيين”.

وكشف أن “البنوك التونسية سجلت ناتجاً بنكياً صافياً في حدود 5 مليارات دينار (1.6 مليار دولار)”، معتبراً ذلك من المفارقات التي يجب الوقوف عندها.

وأكد أن الأرقام تظهر أن نسبة مساهمة المداخيل المتأتية من العمولات والفوائض والخدمات البنكية في الناتج البنكي الخام تجاوزت 72 في المئة، وهو رقم كبير ويعكس كلفة الخدمات البنكية في تونس. ودعا المسؤول البنك المركزي التونسي إلى مزيد من الاهتمام بكلفة الخدمات البنكية بتوضيحها وتقنينها إلى جانب وضع سقف في بعض العمولات والخدمات وفرض احترام مجانية بعض الخدمات.

مرسوم رئاسي لتغريم البنوك

ويعاقب المرسوم البنوك بغرامة تتراوح بين 30 و100 ألف دينار كل من أسند قرضاً بنسبة فائدة مبالغ فيها أو تمويلاً بنسبة ربح مشطة.

ويسعى الرئيس التونسي قيس سعيد إلى الحد من التجاوزات في القطاع المصرفي وبخاصة في ما يتعلق بنسب الفائدة التي باتت تثقل كاهل الدائنين وتعرقل النمو الاقتصادي وتضر بالاستهلاك، وهو من محركات الاقتصاد التونسي.

وأصدر الرئيس سعيد مرسوماً رئاسياً يعاقب البنوك والمؤسسات المصرفية المتورطة في فرض نسب فائدة مشطة.
ووفق المرسوم الذي نشر في المجلة الرسمية للدولة (الرائد الرسمي) يعاقب القانون البنوك بغرامة “تتراوح بين 30 ألف دينار (10 آلاف دولار) و100 ألف دينار (33 ألف دولار) كل من أسند قرضاً بنسبة فائدة مشطة أو تمويلاً بنسبة ربح مبالغ فيها.

وبحسب المرسوم فان نسب الفائدة المشطة تمثل “كل عملية تمويل مسندة بنسبة ربح فعلي جملي تتجاوز عند إسناد التمويل معدل نسبة الربح الفعلي المطبق خلال السداسية السابقة من قبل البنوك والمؤسسات المالية”.
ويأتي المرسوم بعد أن عبر المواطن التونسي عن تذمره من عدم احترام بعض البنوك لنسب الفائدة المعتمدة من البنك المركزي.

وتحقق البنوك التونسية أرباحاً كبيرة في وضع اقتصادي متأزم، وهو ما يطرح كثيراً من التساؤلات، خصوصاً أن اقتصاديين يؤكدون أن البنوك لا تسهم بشكل جدي في التنمية والاستثمار، كما أنها لا تمنح تسهيلات لمنح قروض أمام الفئات الشابة لاستثمارها في مشاريع بهدف الحد من ظاهرة البطالة.

وتعيش تونس على وقع تدهور اقتصادي غير مسبوق بسبب عوامل عدة أبرزها تداعيات الحرب الأوكرانية وارتفاع المواد الأولية، إضافة إلى ارتفاع كبير لنسب التضخم.

وفي المقابل تقول البنوك إن تعاملاتها المالية مضبوطة ووفق قواعد البنك المركزي، مشيرة إلى أن الأزمة تتمثل في غياب الثقة الناتج من فقدان التواصل بين العاملين في البنوك والمواطن العادي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق