أخبار عاجلةمقالاتمقالات وأراء

الإنفاق يعيد التوازن المفقود لسوق السلع الفاخرة 327 مليار دولار مبيعات 9 أشهر

كتب أسامة صالح

إنّ للسلع الفاخرة جاذبيتها ورونقها الخاص، وكلنا يعلم أن أسعار أغلبيتها في غير متناول اليد لابناء الطبقة المتوسطة.

و تشير دراسات علم النفس السلوكي إلى أن قطاعا كبيرا من المستهلكين الذين يشترون بعض السلع الفاخرة ليسوا في وضع مالي يسمح لهم بشرائها، حتى وإن كان ذلك يوجد لديهم بعض من درجات الإشباع النفسي، أو إرضاء لشعور بالانتماء لفئة اجتماعية أعلى.

ولكن من جانب آخر، تشير بعض الدراسات الاقتصادية رغبة المستهلك في الربط بين السعر المرتفع للسلعة وجودة المنتج، ما يشكل دائما تركيزا على العناصر والميزات الإيجابية للسلع الفاخرة وتجاهل عيوبها.

ولكن مع مرور الوقت تتكون لدى المستهلكين ثقافة استهلاكية تجاه السلع الفاخرة قوامها “الغالي ثمنه فيه” وأنهم يحصلون بالفعل على قيمة مضافة عادلة لما يدفعون ثمنه، على الرغم من عدم وجود أدلة قاطعة بهذا الشأن.

ويعتقد كبار منتجي السلع الفاخرة أن هناك عوامل أخرى تسهم في زيادة الإقبال على منتجاتهم، أبرزها الشعور الإنساني الفطري بالرغبة في مكافأة الذات بعد عمل شاق أو تحقيق إنجاز ما.

وكما أنّ لدى الكثير من الأفراد شعوراً يربط بين السلع الفاخرة والأصالة، وهو ما يدفع الكثير من المستهلكين إلى التخلي عن ساعة مزيفة من ماركة شهيرة، لمصلحة شراء النسخة الأصلية التي قد يقدر سعرها بآلاف الدولارات ، على الرغم من تطابق مظهر الساعتين، فالأمر هنا لا يرتبط بالرغبة في “الاستعراض” وإنما بالسعي لامتلاك “الأصالة”.

هذا الجدل بشأن دوافع المستهلكين للإقبال على شراء السلع الفاخرة، ازداد حدة خلال 2020 عندما تعرضت الصناعة لهزة حقيقية نتيجة وباء كورونا، والإغلاقات التي جرت في أغلب الاقتصادات المتقدمة ذات الاستهلاك المرتفع للسلع الفاخرة، وكذلك عمليات الإغلاق في العديد من المصانع خاصة في إيطاليا حيث ينتج أكثر من 40 في المائة من السلع الفاخرة العالمية.

ولكن الأوضاع بدأت تتغير خلال العام الماضي، إذ تتمتع سوق “السلع الفاخرة الشخصية” بانتعاش على شكل حرف V خلال الأشهر التسعة الأولى من 2021، وسط توقعات بأن تكون مبيعات الربع الأخير من العام المنصرم التي لم تصدر حتى الآن في هذا الاتجاه، فقد نمت المبيعات بنسبة 29 في المائة مقارنة بـ 2020، لتصل إلى 327 مليار دولار بعد انخفاض غير مسبوق، وذلك وفقا لتقرير صادر عن شركة Bain الاستشارية بالشراكة مع اتحاد شركات الرفاهية الإيطالية Altagamma.

ومع هذا فإن سوق السلع الفاخرة لا تزال تواجه أوقاتا غير طيبة، فالتحسن الراهن لا يزال منصبا على سوق “السلع الفاخرة الشخصية” مثل الأحذية والملابس والحقائب، أما إذا تم توسيع مجال البحث ليضم سوق السلع الفاخرة سلعا أخرى من قبيل اليخوت والسيارات والتحف واللوحات الفاخرة، فإننا سنجد أن السوق لا تزال أقل بنسبة 9 في المائة مقارنة بـ 2019.

ويقول بعض الخبراء أنّ الاتجاه العام في سوق السلع الفاخرة يشير إلى التحسن في الأداء في 2021، لكن دون الوصول إلى مرحلة التعافي الكامل، والسبب الأساسي في هذا الوضع، أنه خلال 2020، قضى المستهلكون أوقاتا طويلة في المنزل، وسط شعور عام بغياب اليقين الاقتصادي، ما دفعهم إلى إعادة تقييم أولوياتهم وعادات الإنفاق.

أمّا الان ومع اتساع دائرة التطعيم وفتح الأسواق فإن المستهلكين الرئيسين في هذه السوق قد خرجوا من عزلتهم ، ولديهم رغبة في التعويض، ولكن لا يزال لديهم عدم ثقة كاملة بأن الاقتصاد العالمي قد تم شفاؤه بالكامل من تداعيات وباء كورونا، وتخوفهم من حدوث هزات ارتدادية في الاقتصاد يدفعهم إلى الإنفاق الحذر.

إنّ العام 2021 سيكون بداية لمرحلة تحول في أنماط الاستهلاك في سوق السلع الفاخرة الشخصية، بما يجلب حقبة جديدة من الاستهلاك الواعي لسلع الرفاهية، ولكنها تشير إلى أن تلك الأوضاع ستنعكس على أداء شركات المنتجات الفاخرة التي ستقوم بتشديد قيود الإنفاق باستثناء إنفاقها على مجال التسوق والإعلان.

إنّ التحسن الملحوظ الذي شاهدته سوق السلع الفاخرة في 2021، لا ينفي وجود اختلالات داخلية ملحوظة في القطاع، إذ يلاحظ أن العلامات التجارية الكبرى هي التي استقطبت معظم النمو الذي حدث خلال العام المنصرم، وأن قطاع الملابس الفاخرة سواء الرسمية أو غير الرسمية قاد نمو القطاع.

وهذا يعود بالأساس إلى أن النمط الاستهلاكي الذي كان سائداً في 2020 وتركز على السلع الفاخرة المنزلية. فخلال فترات الحجر المنزلي تركزت عمليات الشراء في السوق على تلبية الاحتياجات المنزلية، سواء لعدم وجود فرصة للتباهي خارج المنزل، أو للرغبة في تعظيم القيمة مقابل المال عن طريق شراء سلع وظيفية، ولكن هذا الاتجاه بدأ في الانحسار حاليا مع انتهاء تدابير الإغلاق وخروج المستهلكين لممارسة حياتهم الطبيعية.

ويرى بعض الخبراء في مجال التحليل المالي ، أن الأرقام المتاحة لسوق السلع الفاخرة كانت إيجابية خلال الأشهر التسعة الأولى من 2021، ولكن يحتمل حدوث بعض الارتدادات في أرقام المبيعات في الربع الاخير من العام 2020 م، خاصة أن عمليات التسوق تزداد بشكل كبير في الأشهر الأخيرة من العام في الدول الغربية، بسبب عطلات الميلاد، ولكن يحتمل أن تشهد انخفاضا في المبيعات نظرا لانتشار “أوميكرون” المتحور الجديد من فيروس كوفيد – 19.

وسيعود المستهلكون إلى ضبط النفس عند شراء السلع الفاخرة الشخصية، وسيسيطر الحذر عند شراء السلع الشخصية الفاخرة ذات الأسعار المميزة مثل الساعات الفاخرة أو المجوهرات، ولكن هذا لا ينفي أن الاتجاه الذي برز في 2021 بشأن نمو مبيعات السلع الفاخرة عبر الإنترنت بنسبة 27 في المائة، بحيث بلغ 71 مليار دولار أي أعلى بنسبة 2.5 مرة من مستويات 2019 وسيواصل النمو.

وتشير بعض الدراسات إلى أن مشتريات السلع الفاخرة الشخصية على الإنترنت ستصل إلى ما يتراوح بين 28 و 30 في المائة بحلول العام 2025، مع تزايد نسبة الشباب ضمن المستهلكين في هذه السوق.

وسط تلك التطورات يرصد الخبراء ظاهرة آخذةً في النمو بشكل ملحوظ في سوق السلع الفاخرة، وهي سوق السلع الفاخرة الثانوية وهو مصطلح يعني سوق السلع الفاخرة المستعملة، حيث أخذت هذه السوق في الازدهار بشكل سريع ومعدلات كبيرة.

وتشهد هذه السوق نموا بين الفئات العمرية الصغيرة، حيث قدر سوق السلع الفاخرة المستعملة التي تشمل حقائب اليد والملابس والمجوهرات والساعات بنحو 37.2 مليار دولار بزيادة بنسبة 65 في المائة مقارنة بـ 2017، بينما نمت سوق السلع الفاخرة خلال الفترة نفسها بنحو 12 في المائة فقط.

ويشير بعض الخبراء في مجال التسويق أن تنامي هذه الظاهرة جذب إليها العديد من المحال التجارية العريقة للاستفادة من بيع السلع الفاخرة المستعملة.

إنّ التحدي الرئيس في مجال إعادة بيع السلع الفاخرة الشخصية يتعلق بتعرض عمليات البيع والشراء في السوق الثانوية لعمليات النصب والاحتيال، فأنت تشتري عبر الإنترنت وقد تبدو لك الساعة التي اشتريتها على سبيل المثال أصلية، لكن عند عرضها على خبير فإنك ستكتشف وقوعك ضحية عملية نصب واحتيال.

إنّ العلامات التجارية الكبرى، وللاستفادة من ظاهرة تنامي الطلب على المنتجات الفاخرة الشخصية المستعملة لأنها بالطبع أقل سعرا، تقوم حالياً ببيع سلع مستعملة سابقة في بعض متاجرها، مستفيدة من ثقة المستهلك بها. وهذه السوق ستأخذ في التوسع خلال الأعوام المقبلة نظرا للارتفاع الكبير في أسعار السلع الفاخرة الشخصية، ودخول فئة الشباب من أبناء الطبقة المتوسطة في هذه السوق.

ويعتقد الخبراء أن سوق السلع الفاخرة الشخصية ستظل مقيدة في نموها حتى تعود حركة السفر والسياحة إلى طبيعتها الأولى. فما يتراوح بين 20 و 30 في المائة من عائدات الصناعة يتم توليدها من قبل المستهلكين الذين يشترون السلع الفاخرة خارج دولهم الأصلية.

وفي العام 2018، قام المستهلكون الصينيون بأكثر من 150 مليون رحلة إلى الخارج، شكلت أكثر من نصف إنفاق الصينيين على مشترياتهم من السلع الفاخرة الشخصية في ذلك العام.

ويمتد هذا النمط التسويقي في نظر الكثيرين إلى المستهلكين في آسيا ودول مجلس التعاون الخليجي والأثرياء الروس، حيث أصبح التسوق جزءا لا يتجزأ من تجربة السفر ذاتها، كما أن شراء العلامة التجارية من بلدها الأصلي يحدث شعورا من الأصالة والضمان بأن المنتج غير مقلد، وربما أيضا بانخفاض نسبي أحيانا في السعر مقارنة بدول أخرى.

إنّ الرفع النسبي لقيود السفر قد أدى إلى تحسن المبيعات في سوق السلع الشخصية الفاخرة، والمستهلكون الصينيون أكبر فرصة لنمو هذا القطاع، ولكن العلامات التجارية الفاخرة في حاجة إلى نهج جديد لجذب المتسوقين، خاصة أن العديد من الاقتصادات مثل دول جنوب شرق آسيا ودول منطقة الخليج والأسواق الضخمة في المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة، تظهر طفرات اقتصادية في مرحلة ما بعد كورونا، وتزايد معدلات الثراء في تلك المجتمعات، ومن ثم على منتجي السلع الفاخرة التركيز أكثر على التسويق للمستهلكين في دولهم الأصلية، وإنشاء تجارب محلية خاصة، وتعزيز العروض الرقمية وعروض القنوات المحلية، والمشاركة بعمق أكثر مع المستهلكين في المناطق خارج المدن الرئيسة، على الرغم من الصعوبات المتعلقة بهذا الجانب الأخير.

وتظهر الأرقام أن صناعة السلع الفاخرة بدأت في العام 2021 في استعادة توازنها المفقود في 2020، وربما يرجع ذلك لما يوصف في بعض الأدبيات الاقتصادية “بالإنفاق الانتقامي” وهو تعبير يستخدم للإشارة إلى الطلب المكبوت على المنتجات الفاخرة الشخصية أثناء الأزمات أو بعدها.

وقد أثبتت تلك الصناعة خلال العقود الماضية بأنها قادرة على التجديد، فالقطاع يمتلك قدرات مالية وتقنية تضمن له النمو على المدى الطويل، كما أن جاذبيته الاقتصادية ليست موضع شك بالنسبة للمستهلكين.

ومع استمرار المعركة مع جائحة كوفيد 19، وعدم اليقين الكامل في شفاء الاقتصاد الدولي، أسفر عن تغييرات هيكلية في السوق، وبعض العلامات التجارية الفاخرة ستخرج أكثر قوة بعد تلك الأزمة، بينما سيصارع البعض للحفاظ على موقعه.

كما أن دخول فئة الشباب على خط الاستهلاك للمنتجات الفاخرة الشخصية قد يسهم في إعادة تشكيل بعض جوانب الصناعة عبر التركيز على منتجات السوق الثانوية، ويعزز من توجهاتها نحو المبيعات عبر الشبكة العنكبوتية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق