أخبار العالمأخبار عاجلةأسواق الأسهماقتصاد وأعمالالكويت

التجارة بين الشركات تشهد موجة النمو التالية للتجارة الإلكترونية

عندما شارك سلطان العاصمي عام 2017 في تأسيس شركة “زد” السعودية التي تهدف إلى تمكين التجارة الإلكترونية، قُوبل بالرفض مراراً وتكراراً. وفي ذلك الوقت، كان عدد متاجر التجزئة السعودية المهتمة بالبيع عبر الإنترنت قليلاً جداً، وكانت تلك المتاجر ترى أن العرض المُقدم لهم من العاصمي لا لزوم له. فأطلق هو وشريكه مازن الضراب شركة “زد” بست شركات فقط، وأنشأوا متاجرهم الإلكترونية وربطوها بمُقدمي خدمات الدفع والتخزين والتوصيل.

ولكن الآن بعد مرور عام على فرض حالة الإغلاق، والجائحة، والتحول الجذري في عادات التسوق لدى المستهلكين، تحاول الشركة التعامل مع قائمة انتظار تضم أكثر من 50 شركة من الشركات الحريصة على التحول إلى التجارة الإلكترونية والاستفادة من منصة شركة “زد”.

يقول العاصمي: “لقد كنا نواجه صعوبة بالغة في شرح أمر بديهي. وفي عام 2017، لم يكن الدفع عبر الإنترنت موضع ترحيب، وكان الجميع يفضلون الدفع نقداً عند التسليم، وكان من الصعب توفير بوابات للدفع الإلكتروني. وفي عام 2019، كان 4% فقط من شركات البيع بالتجزئة تعمل عبر الإنترنت (في المملكة العربية السعودية)، وكان 96% من معاملات التجزئة تُجرى خارج الإنترنت”.

وبفضل الجائحة وما أعقبها من ازدهار في التجارة الإلكترونية، تغير الوضع بالنسبة لشركة “زد” تغيراً جذرياً. كما أن هذه الشركة الناشئة حصلت مؤخراً على 7 ملايين دولار في الجولة التمويلية الأولى، وتتوسع الآن خارج المملكة العربية السعودية. قال العاصمي: “لقد ساعدت الجائحة على زيادة الوعي، ونرى حالياً وجود طلب في المنطقة، فالناس يتصلون بنا ويراسلوننا عبر البريد الإلكتروني للعمل في بلدان أخرى”.

وقد شهد الطلب على التسوق الإلكتروني ارتفاعاً مفاجئاً في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومن المتوقع أن ينمو ذلك الطلب بنسبة 30% هذا العام ليصل إلى 30 مليار دولار، حسب توقعات شركة RedSeer للاستشارات. كما أن الموجة المتتابعة من التأثيرات كانت حتى الآن واسعة النطاق، حيث أثرت على قطاع الخدمات اللوجستية والتوصيل، فضلاً عن قطاع التكنولوجيا المالية. ولكن في خضم هذه الطفرة، كشفت الجائحة عن مشكلات قطاع التجزئة الذي يتسم إلى حد بعيد بعدم التنظيم، مما أجبر الشركات بشتى أحجامها على أن تتجه إلى الرقمنة، وأن تُحسِّن دورات أعمالها، وأن تصبح أكثر قدرة على الصمود في مواجهة حالة عدم اليقين، وذلك عندما وصلت موجة التأثيرات إلى مجال التجارة الإلكترونية بين الشركات (B2B). و لا تزال تكنولوجيا التجارة بين الشركات تمثل جزءاً مهماً من قطاع التجارة الإلكترونية بوجه عام، ولا تزال مجالاً جذاباً للمستثمرين، سواء في حالة بيع الخدمات والسلع إلى الشركات مباشرةً، أو تقديم حلول لأتمتة العملية بأكملها، أو معالجة العقبات اللوجستية التي تعترض التوصيل للعميل النهائي، أو مساعدة تجار التجزئة على إنشاء متاجرهم الإلكترونية والتكيف مع التجارة الإلكترونية والبيع عبر الإنترنت.

ويشير تقرير رسمي صدر مؤخراً عن شركة DHL الدولية للبريد السريع إلى أن حجم السوق العالمية للتجارة الإلكترونية فيما بين الشركات سينمو بنسبة 70% ليصل إلى 20.9 تريليون دولار بحلول عام 2027، بعد أن كان 12.2 تريليون دولار في عام 2019. وبحلول عام 2025، ستُجرى عبر الإنترنت 80% من جميع عمليات البيع فيما بين الشركات الموردة والمشترية.

وحتى الآن في هذا العام، حصلت الشركات الناشئة العاملة في مجال التجارة الإلكترونية بين الشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على تمويل قدره 30 مليون دولار عبر 13 صفقة. وذهب معظم هذه الاستثمارات إلى شركات ناشئة في المملكة العربية السعودية (ست شركات) ومصر (أربع شركات)، مما يدل على نمو قطاع البيع بالتجزئة عبر الإنترنت في كلتا السوقين. وكان القدر الأكبر من هذه الاستثمارات من نصيب شركة عزوم السعودية التي حصلت على 9.5 مليون دولار في جولتها التمويلية الأولية.

وكان معظم هذا النمو مدفوعاً بقطاع المنتجات الاستهلاكية السريعة التصريف. وعندما بدأ فرض حالة الإغلاق في أوائل شهر آذار/ مارس من العام الماضي، زاد الإقبال على شراء السلع الاستهلاكية عبر الإنترنت، مما أدى إلى زيادة الضغط على جميع الأطراف في سلسلة التوريد بأكملها.

“وفجأة، بدأت المؤسسات –على اختلاف أحجامها– تبحث عن حل رقمي، وأصبح الجميع يدرك الآن فوائد امتلاك منصة للتجارة الإلكترونية”، على حد تعبير عدنان الزبيري، الرئيس التنفيذي والمؤسس لشركة “دي إكس باي” (DXBUY) الإماراتية، وهي منصة إلكترونية تربط الشركات الصغيرة العاملة في قطاعات الأغذية والمشروبات والبقالة والتجزئة بالمُصنعين والموزعين وتجار الجملة. وبلغ عدد مستخدمي منصة “دي إكس باي” خلال مرحلتها التجريبية 2000 مستخدم، وبعد بضعة أشهر من إطلاقها في أيار/ مايو 2020، تمكنت هذه المنصة من استيعاب 5000 عميل.

وأشار عدنان الزبيري إلى أن مجال التجارة الإلكترونية بين الشركات يُتيح العديد من فرص النمو وتحقيق الأرباح، على عكس مجال تكنولوجيا التجارة بين الشركات الذي بلغ حد التشبع وأصبح ناضباً.

فقال: “ما جعلنا نتجه إلى هذه السوق [أيْ سوق التجارة بين الشركات] هو أن سوق التجارة الإلكترونية بين الشركات في الشرق الأوسط، وخصوصاً في الإمارات العربية المتحدة، قد بلغت مرحلة النضج في ظل وجود العديد من الشركات الكبرى فيها، ولكن لا يزال مجال التجارة بين الشركات صغيراً ولا يوجد فيه أي شركة كبرى تركز بصفة خاصة على المستهلكين. في حين أنه كان بالفعل في أنحاء أخرى من العالم نموذجاً تجارياً ناجحاً يبلي بلاء حسناً. وهو في الواقع يحقق أداءً أفضل من أسواق التجارة الإلكترونية بين الشركات”.

ولاغتنام هذه الفرصة، قامت شركة “ساري” السعودية الناشئة العاملة في مجال رقمنة سلاسل التوريد بتحويل ناشطها لتصبح إحدى أسواق التجارة بين الشركات بعد أن كانت في البداية منصة للتجارة بين الشركات. وأشار محمد الدوسري، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة ساري، إلى أن قطاع التجارة بين الشركات يبشر بمزيد من النمو على المدى البعيد، لا سيما في ظل تزايد الطلب باستمرار على الحلول المدعومة بالتكنولوجيا في مجال التجارة الإلكترونية والبيع عبر الإنترنت.

وقال الدوسري خلال ندوة إلكترونية استضافتها منصة “جولة” السعودية في شهر كانون الأول/ ديسمبر لمناقشة التحديات التي تواجهها المؤسسات العاملة في مجال التجارة بين الشركات: “يقدم قطاع التجارة بين الشركات هامش ربح ضئيلًا، ولكن يتيح متوسط سعر بيع مرتفعاً”. وذكر الدوسري أن قاعدة عملاء الشركة الناشئة قد شهدت نمواً بمقدار 27 ضعفاً نتيجةً لهذه الجائحة.

وتُعد أيضاً منصة “تريدلنغ” التي أنشأتها ودعمتها المنطقة الحرة بمطار دبي (دافزا) من منصات التجارة الإلكترونية بين الشركات التي تحقق نمواً كبيراً في دولة الإمارات.

وكانت منصة “تريدلنغ” قد أُطلِقت في شهر نيسان/ أبريل من العام الماضي، وقدمت نفسها على أنها “علي بابا الشرق الأوسط”، إذ توفر للشركات في المنطقة منتجات من الشركات المُصنِّعة مباشرةً. واليوم، تدعي الشركة أنها تستقبل مئات البائعين أسبوعياً من أكثر من 25 دولة، مع زيادة إجمالي القيمة التجارية بنسبة 60% مقارنةً بالشهر الماضي. وتقدم الشركة 13 فئة من المنتجات، منها فئة المأكولات والمشروبات، والصحة والعافية، والحدائق، والأثاث. وقد وقعت “تريدلنغ” مؤخراً اتفاقية شراكة مع شركة JD.com الصينية لتتيح للشركات المشترية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إمكانية الوصول إلى سوق التجارة الإلكترونية في الصين.

يقول ماريوس سيافولا، الرئيس التنفيذي لشركة “تريدلنغ”: “لقد أحدثت أزمة كوفيد-19 تغييراً جذرياً في الطريقة التي ستُمارس بها الأعمال التجارية في المستقبل. فالتحديات غير المسبوقة التي تسببت فيها الجائحة العالمية تستلزم التوجه نحو نموذج جديد للبيع بالتجزئة، نموذج يكون قائماً على الإنترنت. كما أن الطلب في آسيا، لا سيما في الصين، سيتحول بشكل متزايد إلى الفضاء الرقمي. ونعتقد أن التجارة الإلكترونية بين الشركات هي أحد التوجهات الكبرى القادمة، وأن “تريدلنغ” مفهوم تم إطلاقه في الوقت المناسب في منطقة تفتقر بشدة إلى هذه الخدمات”.

الاستغناء عن الوسطاء

في محاولة لزيادة كفاءة سلسلة الإمداد، قامت أسواق التجارة بين الشركات باستبعاد الأطراف القائمة بالوساطة من المعاملات التجارية. ويؤدي ذلك إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على التجارة عبر الحدود، وبالتالي يساعد الشركات الصغيرة على الوصول إلى أسواق عالمية جديدة، حسبما ذكر هيثم جمال، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة “ديستيتشاين” الإماراتية التي تقدم حلول البرمجيات الخدمية للتجارة الإلكترونية إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة.

يقول هيثم: “يوجد قدر هائل من سلسلة القيمة في التجارة العالمية يلتهمه الوسطاء أو السماسرة أو الأشخاص الذين يكونون مجرد حلقة وصل. وباستخدام التكنولوجيا، يمكنك إضفاء الطابع الديمقراطي على التجارة – مما يعني نقل البضائع بسلاسة عبر البلدان بغض النظر عن الموقع الجغرافي أو الحجم”.

وكذلك يتوقع عمرو شرقاوي، المؤسس والرئيس التنفيذي لمنصة “اكسباند كارت” للتجارة الإلكترونية، أن يغلب الطابع الرقمي على مستقبل تجارة التجزئة. فيقول: “ستكون الأسواق الرقمية هي الشكل التجاري السائد لتجار التجزئة في السنوات العشر القادمة، بينما ستقتصر تجارة التجزئة غير الإلكترونية على أماكن الخروج وتجمعات المناسبات الاجتماعية الأخرى، ولكن ليس لشراء الضروريات”.

ويرى حسام علي، مؤسس شركة فاتورة، أن تبنّي التكنولوجيا سيُسرِّع خروج الوسطاء الذين “لا يقدمون أي قيمة عبر سلسلة الإمداد بأكملها. وسيُعاد النظر في دور الوسطاء. وهم إما سيتأقلمون ويتكيفون مع انخراطهم في السوق، وإما سيصبحون هم أنفسهم سوقاً”.

ولكن من المعروف أن كبار تجار التجزئة والعاملين في قطاع التصنيع والخدمات اللوجستية يتحركون ببطء. ورغم أن أزمة كوفيد-19 كانت بمثابة صيحة إنذار تحثّ الشركات بجميع أنواعها على تسريع تحولها إلى العالم الرقمي، قوبلت أسواق تكنولوجيا التجارة بين الشركات بمقاومة كبيرة من تجار التجزئة حتى وقت قريب.

فيوضح عدنان الزبيري أن الشركة واجهت صعوبات في إقناع تجار التجزئة بالتحول من نموذج الشراء التقليدي الذي يقتضي التعامل مع البائعين أو مع طرف ثالث إلى نموذج الطلب من خلال تطبيقات الهاتف المحمول. ويقول الزبيري: “رأينا أنه كلما زاد حجم المؤسسة، زادت صعوبة إقناعهم بالانضمام. ولا يزال التحول جارياً. وسوف تتحسن الأمور في نهاية المطاف كلما مضينا قدماً”.

وقد واجه عمرو شرقاوي مشكلة مماثلة، إضافةً إلى أن الشركة اضطرت إلى القيام بزيارات يطوفون فيها على تجار التجزئة، لمحاولة إقناعهم بالانضمام. يقول عمرو: “لقد كان إقناع تجار التجزئة بالانضمام، خاصة الكبار منهم، مهمة شبه مستحيلة. أما الآن فأصبحوا أكثر حرصاً على تجربة حلول مثل حلولنا واستخدامها بشكل أسرع من أي شخص آخر”.

وفي الوقت نفسه، يرى مؤسس شركة “ديستيتشاين” أن السبب الذي جعل التجارة بين الشركات لا يكون لها موطئ قدم قوي في الماضي هو أن مجال التجارة بين الشركات كان لا يزال في مهده، ولذلك كان من الصعب أن يثق تجار التجزئة بهذه الحلول ناهيك عن تبنيها، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمدفوعات. ولا يزال قطاع الشركات الناشئة العاملة في مجال التجارة الإلكترونية بين الشركات قطاعاً ناشئاً ولم يبلغ بعدُ مرحلة النضوج. كما أن الأموال المستثمرة في هذا القطاع لا تزال قليلة.

يقول محمد الدوسري: “يحتاج المستثمرون إلى رؤية تجارب ناجحة كبرى لشركات ناشئة في هذا المجال بحيث يمكن اتخاذها معياراً لقياس مدى نجاح الشركات الناشئة الأخرى”. إلا أن مشاعر المستثمرين وتوقعاتهم للشركات الناشئة العاملة في مجال التجارة الإلكترونية بين الشركات تتسم بالإيجابية، بفضل النمو المستمر للتجارة الإلكترونية.

ويقول ماسيمو كانيزو، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة GELLIFY Middle East، وهي منصة معنية بالابتكار والاستثمار وتُركِّز على التجارة بين الشركات: “يُعتبر الاستثمار في الشركات الناشئة العاملة في مجال التجارة بين الشركات أقل مخاطرةً من الاستثمار في الشركات الناشئة العاملة في مجال التجارة بين الشركات والزبائن، فإذا نجحت تلك الشركات في اجتياز أول عامين من العمليات بعائدات جيدة وبعدد لا بأس به من العملاء، فمن المرجح أن تصمد لفترة أطول”.

ويرى كانيزو أن الشركات الناشئة في مجال التجارة بين الشركات التي تعمل في سوق متخصصة وتكتسب فهماً كاملاً وشاملاً للتفاصيل الدقيقة لتلك السوق من المرجح أن تجذب اهتمام المستثمرين، على عكس الأسواق الأفقية الشاملة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق