أخبار عاجلةأسواق الأسهماقتصاد وأعمال

الشتاء على الأبواب .. هل سيكون الأسوأ على الإطلاق مع أزمة طاقة لا يلوح لها حل في الأفق؟

الشتاء قادم، هذه هي الجملة الأشهر فى تاريخ صناعة الدراما العالمية حين ظهرت في مسلسل “لعبة العروش Game Of Thrones” المسلسل الأكثر مشاهدة في التاريخ، وكان المقصود به أن الخطر قادم مع غزو ملك الظلام وجيشه أراضي البشر، لكن بالعودة إلى الواقع اليوم نجد نفس الجملة تتكرر مع اختلاف التفاصيل والدلالات، كل البلاد الباردة يبدو أنها ستواجه شتاءً صعباً للغاية.

 

أزمة الطاقة التي بدأت قبل شهور قليلة لا تبدو نهايتها في الأفق، الهلع يسيطر على حركة التجارة الطاقاوية حول العالم، الحكومات والشركات والمستوردون وحتى الأفراد، الجميع في حالة ترقب، الهلع يتناسب عكسياً مع الأسعار، خوف أو حتى قلق أكثر يعني تكاليف أعلى وارتباكا أوسع نطاقاً.

 

أوروبا تتحمل العبء الأكبر من بين كل مناطق العالم  جراء أزمة الطاقة الحالية، أوروبا يتم تصنيفها في جانب المشترين أو المستوردين عدا بعض دولها القليلة التي تصنف ضمن جانب البائعين أو المُصدرين، وبسبب عدم الاكتفاء الذاتي الأوروبي من الطاقة يكون هناك انكشاف على العالم الخارجي.

 

ولا تزال أسعار الهيدروكربونات آخذة في الصعود رغم الاجتماعات والاتصالات والرحلات والتصريحات والبيانات المتعددة التي صدرت عن كل اللاعبين في السوق، البيت الأبيض ودول منظمة أوبك والمفوضية الأوروبية ورئاسة الوزراء البريطانية والمستشارية الألمانية والحكومة الصينية والرئاسة الروسية، الجميع بلا استثناء في حالة انتباه واستنفار سواء كان بلده مُصدرًا أم مستوردًا، فالوضع الحالي لا يفيد أحدا على الإطلاق.

البنك الدولي في أحدث تقاريره يرى أن العام الجاري 2021 يُعد أسرع عام للتعافي بعد ركود خلال أزمات الركود في آخر 80 عاماً واجهها الاقتصاد العالمي، هذا شيء جيد، لكن في المقابل فإن الطلب على السلع مرتفع للغاية ويتعاظم بشكل استثنائي، لكن مع توقعات بأن الشتاء القادم سيكون بارداً عن المعتاد ومع شح المعروض من الطاقة مقارنة بالطلب عليها، كانت النتيجة أن حلقت الأسعار في السماء.

 

ورغم التعافي السريع، لا يزال الاقتصاد العالمي يُقدم إنتاجية وتشغيلاً أقل من مستوياته الطبيعية المسجلة قبل الجائحة بحوالي 2%، إذن ماذا لو عاد لطبيعته واحتجنا إلى طاقة أكبر؟ الوضع سيكون أسوأ بكل تأكيد على مستوى الأسعار.

 

ومن ناحية أخرى فأسعار الغاز الآسيوية والأوروبية وصلت لأعلى مستوياتها التاريخية على الإطلاق، لا نظير لهذه الأسعار في أي وقت سابق بحسب وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الصادر في أكتوبر الجاري، وتقترب أسعارها من التضاعف 10 مرات مقارنة مع مستوياتها قبل عام.

 

فى الولايات المتحدة -أقل المتأثرين حتى الآن بالأزمة- ارتفعت أسعار عقود الغاز الطبيعي خلال أكتوبر الحالي ثلاثة أضعاف فقط مقارنة بمستواها قبل عام، لكن هذا التضاعف وإن كان منخفضاً مقارنة بأوروبا إلا أنها وصلت إلى قمة مستواها المسجل في الأزمة العالمية 2008.

أما الفحم فقد سجل الأسبوع الماضي والجاري تضاعفاً بخمس مرات مستوياته قبل عام، وما زاد الطين بلة ههطول أمطار غزيرة أجبرت المسؤولين في الصين إلى إغلاق أكبر مجمع لاستخراج وإنتاج الفحم بمقاطعة “جانكزي” بالتزامن مع هطول أمطار مماثلة في الهند ثاني أكبر مستهلك ومستورد للفحم في العالم بعد الصين، مما عطل إنتاجية مناجم الفحم هناك مثلما حدث في جارتها الآسيوية.

 

وفي ظل اعتماد محطات إنتاج الكهرباء الهندية والصينية على الفحم بشكل رئيسي في توليد الطاقة، فإن معاناة أول وثالث اقتصادين في آسيا تزداد في توفير إمدادات الطاقة اللازمة للمصانع وللتدفئة أثناء الاستعداد لفصل الشتاء، حصة الفحم في مزيج الطاقة بالصين والهند تبلغ 64% و70% على الترتيب وهو ما يعني صعوبة شديدة في إجراء تحويل وانتقال من مورد لآخر في وقت قصير.

وبالتزامن مع تطورات الأسبوع الأخير على مستوى الطاقة الهيدروكربونية، لا تزال توربينات محطات الرياح متباطئة وشبه متوقفة بسبب ضعف الرياح في بحر الشمال، لذلك عادت بريطانيا لزيادة حصة الفحم في مزيج الطاقة لديها رغم التزام الحكومة البريطانية بدعوة الاقتصاد الأخضر، لكن فيما يبدو أن هذه الدعوات هي سبب انتكاسة الطاقة الحالية في “لندن”.

 

الصين والغاز الأمريكي
ورغم أن الغاز يمثل حصة قليلة من مزيج الطاقة الصيني، لكن تحاول “بكين” إجراء محاولة ولو يائسة للبحث عن بدائل للفحم في وقت قصير مما اضطرها لتوقيع عدة عقود مع شركات الغاز المُسال الأمريكي، حيث دخلت شركات الطاقة الصينية في مفاوضات مع كبار المنتجين الأمريكيين في قطاع الغاز حسب “رويترز” في الخامس عشر من أكتوبر الجاري.

الشركات من ضمنها الصينيون “Sinopec ” و”CNOOC” وشركة محلية ثالثة “Zhejiang Energy”، الشركات الأمريكية ضمنها Cheniere Energy” و”Venture Global”، وهدف الصفقة زيادة إمدادات الغاز الطبيعي المسال إلى الصين.

 

المحادثات بدأت في أغسطس، أي قبل ذروة الأزمة الجارية، والعقود قد تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات وسترفع واردات الصين بقوة من الغاز المسال الأمريكي في السنوات القادمة، إذن العقود لن تكون لحل الأزمة الحالية فقط بل مستدامة للأجل الطويل.

 

المحادثات الصينية – الأمريكية بدأت حين كانت عقود الغاز المُسال الآسيوية تبلغ 15 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، أما الآن فوصلت العقود المستقبلية إلى 39 دولارا وأكثر، هذا يعني صعوداً بأكثر من 200% في شهرين فقط، كيف سيكون الوضع في الشتاء؟

 

القطاع الخاص يقود الدفة

 

لاحظ أنه قبل أسبوع واحد من خبر المحادثات الحكومية الصينية – الأمريكية، وقعت شركة خاصة صينية كبيرة متخصصة في نقل وتوزيع الغاز المُسال عقداً كبيراً مدته 13 عاما، مع الجانب الأمريكي واُعلن في الحادي عشر من أكتوبر الجاري ويبدأ التنفيذ يوليو 2022.

الشركة الصينية هي شركة “ENN Natural Gas Ltd” والشركة الأمريكية كانت Cheniere Energy” Inc”، والمثير للانتباه أن الشركة الأخيرة هي العامل المشترك بين عقد الحادي عشر من أكتوبر ومحادثات أغسطس، وغني عن الذكر أن “ENN” لن تقوم بعقد الإتفاق دون موافقة ضمنية من الحزب الشيوعي.

 

لماذا تهتم شركات الغاز المُسال الأمريكية بالصين رغم انخفاض حصة الغاز في مزيج الطاقة الصيني؟ لأن استهلاك الصين من الغاز سوف يصل إلى 600 مليار متر مكعب بحلول 2030 بمعدل نمو سنوي متوسط يبلغ 11% متواصلة، وهذا يعني أنه رغم انخفاض حصة الغاز في المزيج الصيني لكن يظل سوقاً جذاباً بسبب ضخامته، فالنسبة الصغيرة في سوق ضخم سكانياً مثل السوق الصيني تكون كبيرة في النهاية.
الكهرباء في ألمانيا عند الذروة

 

من ناحية أخرى، ارتفاع أسعار الغاز والفحم معاً بالتزامن مع ارتفاع أسعار الكربون الأوروبية نتج عن ذلك ارتفاع كبير في أسعار الكهرباء الأوروبية خاصة في ألمانيا، الأسبوع الماضي ارتفعت تكلفة الكهرباء بمقدار 5 مرات مقارنة بعام مضى وحققت أعلى مستوى في تاريخها.

تباطؤ محتمل!

 

ارتفاع أسعار الكهرباء يعني ارتفاع تكاليف الفواتير على كاهل الأسر، وهذا يعني احتمالية انخفاض في الاستهلاك الذي بدوره سوف يغذي تباطؤاً في النمو أو حدوث ركود مجددا في الربع الرابع من العام الجاري، لذلك بدأت تتخذ عدة حكومات في أوروبا إجراءات لدعم الأسر وفواتيرهم لتخفيف الصدمة المزدوجة على الشركات التي سوف ترتفع عليها الفواتير أيضا بجانب انخفاض إنفاق الأسر وهذه هي الصدمة المزدوجة المقصودة.

 

إسبانيا مثالاً

 

تستورد “مدريد” معظم احتياجات الطاقة من الخارج وبالتالي فهي نموذج أوروبي منكشف على العالم الخارجي، حاولت الحكومة الاشتراكية بزعامة “بيدرو سانشيز” تخفيف الصدمة على الأسر والشركات بإقرار بعض الإعفاءات الضريبية على فواتير الكهرباء والوقود.

 

لكن هذا لم يؤتِ أكله بسبب ضخامة الأزمة وانعدام أثر القرارات الحكومية أمام أزمة بهذا الحجم، وبالتالي قفز التضخم للشهر الثالث على التوالي في أغسطس وحقق أعلى مستوى منذ سبتمبر 2008، وما زلنا ننتظر إحصاءات أحدث عن سبتمبر وأكتوبر والتي يبدو أنها ستكون عند مستويات قياسية.

خطوط إنتاج تخرج من الخدمة

 

في الصين، لم تواكب فواتير الكهرباء الزيادات في تكاليف الإنتاج بسبب زيادات أسعار الفحم ونقص الإمدادات منه وتعطل الكثير من المناجم نتيجة الأحوال الجوية والتشديدات التشريعية المكافحة للتلوث، الانقطاعات في التيار الكهربائي تغطي حتى الثاني عشر من أكتوبر حوالي ثلثي المقاطعات الصينية، الأزمة تتفاقم بشكل شرس ومخيف.

 

الصناعات كثيفة استخدام الطاقة مثل صناعات الألومنيوم والصلب والأسمنت نفذت أكثر من مرة خططا لخفض القدرات الاستيعابية وأوقفت الكثير من خطوط الإنتاج بناءً على تعليمات حكومية تارة وتارة أخرى بناءً على الظروف التي تفرض نفسها على المصانع، وحتى الأسر والمنازل تعاني هذه الانقطاعات وتخفيف الأحمال الكهربائي.

في النهاية، قد يجد البعض أن كلمة “محمد باركيندو” أمين عام منظمة “أوبك” الأسبوع الماضي أثناء فعاليات ورشة العمل الفنية الأولى بين أوبك وشركات الطاقة عبر الفيديو كونفرنس، أنها الكلمة الأكثر حكمة في هذه الفوضى والجنون الذي يجتاح الاقتصاد العالمي والتحول العنيف والفوضوي تجاه الطاقات المتجددة النظيفة، حين قال: “اسمحوا لي أن أوضّح أن أوبك تدعم الحاجة إلى تقليل الانبعاثات الحرارية، وتعزيز الابتكار وتحسين الكفاءة، مع ذلك، لا يمكن أن يأتي هذا على حساب استنزاف الاستثمار في الهيدروكربون، إن اعتماد نهج شامل وعادل ومتوازن في أثناء معالجة تحوّل الطاقة هو الحل الأمثل”.

 

من ناحية، قد تكون أزمة الطاقة الحالية هي بداية هدنة أمريكية – صينية، المكاسب التي ستعود على الاقتصاد والمجتمع الدولي جراء هذه الهدنة والتي “قد” تؤدي إلى مصالحة لاحقاً ستكون ثمناً يستحق التكلفة التي يدفعها العالم حالياً بسبب أزمة الطاقة الدولية والآمال كبيرة على عقود الغاز المُسال لكسر جبل الجليد بين القطبين العالميين “واشنطن” و”بكين”.

 

المصادر: أرقام – وكالة الطاقة الدولية – إدارة معلومات الطاقة الأمريكية – رويترز – أوبك – بلومبرغ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق