أخبار العالمأخبار عاجلةمقالاتمقالات وأراء

الصدمات المتتالية تضرب اقتصاد العالم وتعيد مشاهد الأزمة المالية إلى الواجهة

وزير الخزانة السابق يقول إن الفترة الحالية تتسم بالمخاطر المتزايدة والقلق

يُظهر الاقتصاد العالمي علامات تراجع سريع في ظل مواجهته سلسلة من الصدمات، جلب بعضها صُنّاع السياسة النقدية أنفسهم، الأمر الذي يزيد من احتمال حدوث ركود عالمي آخر ومخاطر اضطرابات مالية كبرى.

قال وزير الخزانة الأميركي السابق، لورانس سمرز، وهو مساهم مدفوع الأجر، في حوار مع برنامج “وول ستريت ويك”، المُقدّم على تلفزيون “بلومبرغ” من قبل ديفيد ويستن: “إننا نعيش فترة تتسم بالمخاطر المتزايدة، وأعتقد أن هذه لحظة يجب أن يكون فيها القلق متزايداً بنفس الطريقة التي أصبح بها الناس قلقين في أغسطس 2007”.

تأتي تداعيات التشديد الأكثر قوة في أسعار الفائدة منذ الثمانينيات في قلب هذه الضغوط، وبعد أن فشل في توقع ارتفاع التضخم إلى أعلى مستوى له منذ عدة عقود، يرفع بنك الاحتياطي الفيدرالي ومعظم أقرانه الآن أسعار الفائدة سريعاً في محاولة لاستعادة استقرار الأسعار ومصداقيتهم الخاصة.

تتزايد الأدلة سريعاً على تأثير ارتفاع الأسعار، والضربة التي تلقتها القوة الشرائية للمستهلكين نتيجة ذلك، وفي الأيام القليلة الماضية، أبلغت شركة “نايكي” عن ارتفاع مخزون المنتجات غير المباعة، وصدمت شركة “فيديكس” الأسواق بتحذير بشأن أحجام التسليم، وشهدت كوريا الجنوبية، المصنعة الرئيسية للرقائق، أول انخفاض في إنتاج أشباه الموصلات منذ أربعة أعوام مع تراجع الطلب. كذلك، تؤجل شركة “أبل” خطط زيادة إنتاج أجهزة “أيفون” الجديدة، حسبما أفادت “بلومبرغ”.

هذا المنعطف يأتي حتى قبل الشعور بالتأثير الكامل لتشديد السياسة النقدية، إذ يتعهد “الاحتياطي الفيدرالي” والعديد من نظرائه بمواصلة رفع أسعار الفائدة بحدة أثناء محاولتهم إعادة بناء مصداقيتهم. كما بدأت البنوك المركزية أيضا برامج التشديد الكمي التي تحد من السيولة عبر تقليص محافظ السندات.

تُظهر بيانات التضخم الحاجة “لتجنب التراجع المبكر” عن عملية التشديد النقدي، حسبما قالت نائبة رئيس “الاحتياطي الفيدرالي”، لايل برينارد، يوم الجمعة، وتحدثت بعد فترة وجيزة من ارتفاع مقياس الأسعار المفضل لـ”الفيدرالي” بشكل أكثر من المتوقع.

في وقت سابق أظهرت البيانات ارتفاع التضخم في منطقة اليورو إلى رقم مكون من خانتين.

تأتي الكآبة الاقتصادية المنتشرة التي تزرع الخوف في الأسواق المالية وتخلق ديناميكيات القلق على رأس التداعيات المستمرة للغزو الروسي لأوكرانيا. وربما يساعد الارتفاع السريع في الدولار، والمدفوع من “الاحتياطي الفيدرالي”، في تهدئة التضخم الأميركي، لكنه يعززه في أماكن أخرى عبر إضعاف العملات الأخرى، وبالتالي الضغط على السلطات لفرض قيود على اقتصاداتها.

قال محافظ بنك الاحتياطي الهندي، شاكتيكانتا داس، يوم الجمعة بعد رفع أسعار الفائدة مرة أخرى، إن “الاقتصاد العالمي يقع في قلب عاصفة جديدة”.

قبل عام، لم تكن آفاق الركود العالمي الثاني، الذي يأتي بعد فترة وجيزة من الانكماش الاقتصادي الناتج عن الوباء في 2020، واضحة، لكن أزمة الطاقة التي واجهتها أوروبا بسبب روسيا والركود العقاري المتفاقم في الصين ونهج “صفر كوفيد” المستمر لم يكونوا جزءاً من إجماع التوقعات.

الأمور ليست كلها قاتمة، بل إن مرونة سوق العمل الأميركية تُعدّ من المزايا الملحوظة، لكن الخطط التي وضعتها شركة “ميتا بلاتفورمز”، الشركة الأم لـ”فيسبوك”، لإجراء أول تخفيض في عدد الموظفين تظهر كيفية تغير هذا الأمر.

كما تظهر تجربة بريطانيا في الأيام الماضية كيف يدخل المستثمرون في حالة مزاجية تستهدف معاقبة صُنّاع السياسة النقدية الذين يتبعون مناهج غير مستدامة، واضطر بنك إنجلترا للتدخل في سوق السندات بعد أن أعلنت الحكومة البريطانية الجديدة عن تخفيضات ضريبية غير ممولة بقيمة 45 مليار دولار.

قال توم أورليك، كبير الاقتصاديين في “بلومبرغ إيكونوميكس”: “تفترض توقعات الهبوط السلس للاقتصاد العالمي شيئاً قريباً من تنفيذ مثالي للسياسة، لكن أحداث الأسبوع الماضي تُظهر أن الواقع قد يكون مختلفاً تماماً، وأصبحت فرصة حدوث مزيداً من الاضطرابات، بعد الزلة المالية وانهيار السوق في المملكة المتحدة، كبيرة، وإذا حدث ذلك فإن التكلفة ستكون أعلى”.

قالت كوي لي، رئيسة أبحاث الاقتصاد الكلي في شركة “سي سي بي إنترناشونال سيكيوريتيز” (CCB International Securities)، إن “الأسواق قلقة من أن تصبح السياسات المالية أكثر تساهلاً رغم التضخم، أو أن يزداد الدولار قوة”.

أظهرت مشكلات “نايكي” كيف يتسبب ارتفاع الدولار في مشكلات للشركات الأميركية متعددة الجنسيات، وليس فقط للدول النامية التي أصدرت ديوناً بالعملة الأميركية، وتلجأ دول مثل سريلانكا وباكستان والأرجنتين لصندوق النقد الدولي للحصول على مساعدات.

لقد خفضت شركة الملابس الرياضية العملاقة، يوم الخميس، توقعاتها، مع تسليط الضوء على تداعيات الصرف الأجنبي وارتفاع تكاليف الشحن، التي تُعدّ عرَضاً من أعراض تأخيرات سلسلة التوريد وازدحام الموانئ. يأتي هذا بجانب الحاجة إلى خفض الأسعار بالنظر إلى المخزونات غير المباعة. وارتفعت مخزونات أميركا الشمالية بنسبة 65% في الأشهر الثلاثة حتى أغسطس.

تشهد أسواق الإسكان حالة اضطراب أيضاً بسبب ارتفاع فائدة الرهن العقاري، وسجلت الولايات المتحدة الأسبوع الماضي أول انخفاض في أسعار المنازل منذ عقد.

قال بول غروينوالد، كبير الاقتصاديين في “ستاندرد آند بورز غلوبال”: “السؤال هو إلى أي مدى سينخفض النمو وإلى متى سيستمر الانخفاض”.

ربما يكون العامل الأكبر والأقل قابلية للتوقع هو احتمال حدوث اضطراب مالي مع فرض الدولار، الذي ارتفع بنسبة 14% تقريباً العام الجاري وفق مؤشر “بلومبرغ” للدولار الفوري، ضغوطاً عبر الأسواق، وعند إضافة ذلك إلى الزيادات السريعة في تكاليف الاقتراض، فإن الأمر يعني احتمال حدوث اضطرابات، وبحسب وزير الخزانة السابق “سامرز” فإنه: “لا يمكنك أن تكون متأكداً من عواقب ذلك”.

وللأحوال الحالية أصداء مشابهة لما حدث في صيف عام 2007، عندما بدأ تأثير انهيار سوق الإسكان الأميركية في الظهور لأول مرة في النظام المالي مع إغلاق عدد من الصناديق والنقص المفاجئ في السيولة بين البنوك، ثم تحولت الأمور في النهاية في العام التالي إلى أسوأ أزمة مالية منذ الكساد الكبير.

يمكن أن يظهر القلق المتزايد عبر الأسواق العالمية في مؤشر مخاطر السوق “جي إف سي آي” (GFSI) الصادر عن بنك “أوف أميركا ميريل لينش”، وهو مقياس لتقلبات الأسعار المستقبلية التي ينطوي عليها تداول عقود خيارات الأسهم وأسعار الفائدة والعملات والسلع. وقفز المؤشر إلى أعلى مستوى له منذ مارس 2020، عندما كانت الأسواق في حالة ذعر نتيجة تفشي الوباء.

ونظرًا إلى الحاجة لمعالجة التضخم، وتقلص الحيز المالي عقب الإنفاق القياسي على الوباء، وتفاوت الأولويات عبر الاقتصادات الرئيسية، فإن إمكانية اتخاذ إجراءات مشتركة لمواجهة التحديات قد تكون موضع تساؤل.

قال كوي لي، من “سي سي بي إنترناشونال سيكيوريتيز”، إن “السياسات الكلية الأقل اتساقاً داخل الدول وغياب تنسيق السياسات عبر الدول يمثلان مشكلة”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق