أخبار العالمأخبار عاجلةأسواق الأسهماقتصاد وأعمال

الصين والنموذج الألماني .. هل تجاوزت بكين مرحلة “الإعجاب” إلى “المنافسة” بشكل كامل؟

لم يتبقَّ أحد على ظهر الكوكب لم يُعانِ المنافسة الصينية العنيفة والصعود الشرس للشركات الصينية وبالأخص الكيانات المدعومة حكومياً، والآن جاء الدور على المصانع الألمانية التي أبدت تذمرها من صعوبة المزاحمة الصينية لها في أوروبا التي لطالما كانت سوقاً استهلاكياً شرهاً للمنتجات الألمانية.

 

 

ما القطاعات المقصودة؟

 

القطاعات الألمانية التي تعاني المزاحمة الصينية تتركز في المنتجات الصناعية عالية التقنية مثل الآلات، الأدوية، منتجات السيارات وكل الصناعات المغذية لهذه القطاعات والتي كانت دائما حكراً على مصانع “ميونخ” و”هانوفر” و”دريسدن” و”هامبورج” الألمانية.

 

الصينيون اقتدوا بالألمان في صياغتهم لخطة “صنع في الصين 2025” التي يقول بعض المحللين إنها مستوحاة بشكل كبير من الخطة الألمانية المناظرة، كما أن الحملة الحكومية الأخيرة التي شنها الحزب الشيوعي الحاكم في “بكين” على عمالقة التكنولوجيا الصينية من القطاع الخاص تشبه إلى حد كبير المسار الذي سارت فيه “برلين” لتطوير قطاعها العام الصناعي وصناعتها بشكل عام مما يوحي بأن هناك “محاكاة” بشكل ما تجرى في الصين وتُستنسخ من ألمانيا.

 

 

هل الصين تقوم بالمحاكاة بشكل سليم؟

 

يقول “أكيم وامباخ” رئيس معهد “زد إي دبليو” الاقتصادي الألماني: “يجب بناء الأساسات للتأكد من أن السياسة الاقتصادية واضحة ويمكن التنبؤ بها حتى تتمكن الشركات من الاستثمار، لكن ما نراه في الصين في الوقت الحالي هو العكس، فهناك الكثير من عدم اليقين والتخمين والتغييرات المفاجئة في السياسة، وهذا عكس مفهوم ألمانيا للسياسة الاقتصادية المتسقة”.

 

 

حصة الصين من هذه المنتجات الصناعية عالية التقنية من إجمالي واردات أوروبا، شهدت ارتفاعاً من 50% عام 2000 إلى 68.2% عام 2019 قُبيل الجائحة، وهذه الأرقام يمكن اعتبارها إنذاراً أخيراً للشركات والمسؤولين والسياسيين في ألمانيا حول مستقبل البلاد الاقتصادي خاصة بعد رحيل “ميركل”.

 

الثغرة التي تدخل منها الصين

 

صناعة السيارات الأسطورية الألمانية والتي تشتهر بمحركاتها القوية ومنتجاتها المتقنة، تعاني بشكل مُضاعف فمن ناحية تواجه هذه الصناعة مشكلات مثل باقي القطاع الخاص الألماني من تذبذب في سلاسل الإمداد، ومن ناحية أخرى تواجه مخاطر قرب الوصول لنهاية عصر محركات الاحتراق الداخلي، وهنا تظهر الثغرة التي تدخل منها الصين.

 

الصين تملك مخزونات كبيرة من المعادن الداخلة في صناعة السيارات الكهربائية وكذلك البطاريات، ألمانيا لا تملك مثل هذه القدرات من الموارد الطبيعية أو حتى القدرة على معالجتها وتكريرها وتحويلها من المادة الخام إلى صورتها النهائية كمستلزمات إنتاج.

 

 

ماذا عن مشكلة سلاسل التوريد؟

 

يقول “فولكر تريير” رئيس التجارة الخارجية في “دي إتش كيه”: “النقص في المواد الخام ومشاكل سلسلة الإمدادات يضرب الاقتصاد الألماني على نطاق واسع”. وأضاف أن “التطورات الحالية يمكن أن تجعل الانتعاش الاقتصادي من الأزمة أكثر صعوبة”.

 

وفي حين ساهم قطاع التصنيع في ألمانيا في صمود البلاد بوجه آثار الجائحة وسمح لـ “برلين” بأن تكون أفضل حالا من نظيراتها الأوروبية خلال الشهور الأولى لأزمة “كورونا”، إلا أن الأمور انقلبت في الربع الثاني من العام الجاري بسبب نقص قطع الغيار والمواد الخام وتقلبات سلاسل التوريد على أكبر اقتصاد أوروبي، فحوالي 88% من المصنعين الألمان يشتكون ارتفاعاً في تكاليف الإنتاج بسبب انتشار “دلتا” في الصين وأثره على تعميق مشاكل التوريدات.

 

 

قصة الإعجاب الصيني بألمانيا

 

الصينيون يرون في ألمانيا نموذجاً وقدوة في تنظيم السوق وتعزيز الاقتصاد عبر استخدام الشركات العامة المملوكة للدولة وعبر الصناعة وليس الخدمات، تنظيم السوق على الطريقة الألمانية هو هدف صيني في الفترة الأخيرة، ألمانيا لديها بنوك كبيرة مملوكة للدولة، وقطاع تصديري وتصنيعي قوي، كما أن البلاد لم تشهد أزمة مالية منذ الحرب العالمية الثانية قبل أكثر من سبعة عقود.

 

كتب “كريس ليونغ” كبير الاقتصاديين الصينيين في مجموعة “دي بي إس هولدنجز”: “خروج بكين من النموذج الأنغلوسكسوني -يقصد الأمريكي- إلى النموذج الألماني قد بدأ بالفعل، النموذج الألماني نموذج منافس قوي وفي نفس الوقت يمكن الاقتداء به في التنمية”.

 

قامت الهيئات التنظيمية الصينية باستشارة العديد من الخبراء الألمان واستنسخت الكثير من القوانين الألمانية، وتحاول البدء بثلاثة مجالات محددة لمُحاكاة ألمانيا:

 

1- وضع قواعد لمكافحة الاحتكار وتعزيز المنافسة.
2- التركيز على التصنيع وليس الخدمات.
3- الاستثمار في التعليم المهني.

 

هذا يفسر كثيراً مما حدث مؤخراً، يفسر الحملة الصينية على شركات التكنولوجيا العملاقة منذ يوليو 2020، ويفسر فرض غرامات ضخمة لم تحدث من قبل لمخالفة الشركات قوانين المنافسة وقواعد مكافحة الاحتكار، ويفسر دعم الحكومة للمصانع وكبح نمو الخدمات خاصة غير الملموسة منها مثل التكنولوجيا، ومنع التربح من النشاط التعليمي وتحويله لعمل غير ربحي وفقا لقواعد جديدة صدرت قبل أسابيع.

 

 

لماذا لا تخشى الصين تأثير ذلك على اقتصادها؟

 

بسبب ألمانيا أيضاً، الصين لا تخشى تأثير حملتها الشرسة على شركات التكنولوجيا الخدمية الاستهلاكية، فالصين ترى في ألمانيا عملاقا اقتصاديا صعد دون امتلاك قطاع تكنولوجي.

 

يقول “روجييه كريمرز” أستاذ الدراسات الصينية في جامعة “لايدن” في هولندا: “هناك اعتراف بأن شركات مثل فيسبوك وتويتر لا تساهم بالضرورة في الصالح العام وأن نموذج الأعمال الخاص بها يعمل أفضل في البيئة التي تتسم بانخفاض التنظيم”، ومن هنا تمت زراعة الفكرة في عقول المسؤولين الصينيين ومن هنا قالوا:”هكذا نريد أن نكون مثل ألمانيا”.

 

تريد الصين أن تصبح اقتصاداً متطوراً دون أن تفقد قاعدتها الصناعية، لا تتضمن الخطة الاقتصادية الخمسية لبكين التي صدرت في مارس الماضي أي مستهدفات بخصوص الاستهلاك، ولكنها تتعهد بالحفاظ على مستهدفات التصنيع “مستقرة نسبياً” عند 25٪ إلى الناتج المحلي الإجمالي.

 

برنامج “صنع في الصين 2025” أصاب الأمريكيين بكثير من الاستفزاز مما جعل الحكومة الصينية في تصريحاتها تقلل من شأن هذا البرنامج في أعقاب رد فعل عنيف قادته واشنطن، لكن الجدير بالذكر أن الحرب الاقتصادية/الدبلوماسية/الجيوسياسية مع الولايات المتحدة لم تؤد إلا إلى تسريع طموحات “بكين” نحو مزيد من الاعتماد على الذات في مجال التصنيع.

 

نموذج الشركات متوسطة الحجم الألمانية

 

بكين ترى أن الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم تستحق الدعم أكثر من عمالقة التكنولوجيا، العمود الفقري للاقتصاد الألماني هو الشركات الصناعية متوسطة الحجم، المعروفة باسم “شركات ميتلستاند”، والتي كانت أيضا أهدافا لعمليات الاستحواذ الصينية.

 

“برنارد كيمبر” الرئيس التنفيذي لشركة إي إي دبليو إنيرجي الألمانية والتي اشترتها شركة صينية في عام 2016 يؤكد ذلك ويقول: “لدى الشعب الصيني وجهة نظر بأن أساس الاقتصاد الألماني ليس الشركات الكبيرة المدرجة في البورصة، بل الشركات متوسطة الحجم (ميتلستاند) والصين تريد أن تتعلم من ذلك”.

 

التعليم المهني والفني

 

اتخذت بكين خطوات عنيفة تجاه قطاع الدروس الخصوصية الهادف للربح في يوليو الماضي، ما أدى إلى إغلاق الشركات الناشطة في المجال التعليمي خارج المدارس، وعلى النقيض من ذلك، يجري الترحيب بالقطاع الخاص للمشاركة في الكليات المهنية التي تدرِّس المهارات العملية التي يحتاجها السوق، لاحظ هنا التحول الذي يحدث في سياسة التعليم الصينية.

 

 

يقول الرئيس الصيني “شي جين بينغ” في أبريل الماضي: “نشدد على إدراج التعليم المهني في خطة بكين الخمسية، القطاع به إمكانات واعدة كبيرة في الوقت الذي تسير فيه الصين نحو التحديث الاشتراكي”.

 

إذن هناك سياستان متناقضتان للتعليم في الصين، التعليم الموجه للدروس الخصوصية أمامه عراقيل كبيرة، أما التعليم المهني فمُتاحة أمامه تسهيلات وإمكانات هائلة للنمو والتوسع، وهنا اقتدت الصين مرة أخرى بألمانيا حيث تعهدت بدمج الصناعة مع التعليم المهني وتعزيز فرص تدريب العمالة وتطوير مهاراتها.

 

يقول “هيرمان سيمون” رئيس مجلس هيئة الاستشارات الألمانية “سيمون كوشير وشركاه”: إن الدولة الوحيدة التى رأيت فيها تقليداً للنظام الألماني في التعليم المهني على نطاق واسع هي الصين.

 

الاختلافات بين الصين وألمانيا:

 

1- بكين لا تتسامح مع النقابات المستقلة.
2- بكين ستحافظ على استثمارات الدولة بمعدل أعلى من ألمانيا.
3- بكين تريد الاعتماد على الطلب المحلي لدفع النمو الاقتصادي بدلاً من الصادرات.
4- بكين لن تُلزم المستوى الأعلى في الحزب الحاكم بمراجعة سلطاته.

 

يقول “جاكوب غونتر” المحلل الاقتصادي الصيني في مركز “ميريكس” للأبحاث الذي يتخذ من برلين مقراً له: “قوى السوق -يقصد أدوات الاقتصاد الحر- يتم إطلاقها في نصف الاقتصاد الصيني -يقصد القطاع الخاص- والنصف الآخر يُترك للأبطال القوميين -يقصد القطاع العام- والصين تريد التعلم من ألمانيا وهذا ممكن فقط في المجالات التي يهيمن عليها القطاع الخاص لكن بكين في أماكن أخرى حريصة على أن يكون لديها عدد قليل من اللاعبين الكبار”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق