أخبار عاجلةأسواق الأسهماقتصاد وأعمال

الفساد وسوء الإدارة ومنافس غربي لـ”الحزام والطريق” .. هل تنجح واشنطن في مسعاها لمحاصرة الصين؟

بالصينية “Yi Dai Yi Lu” أي مبادرة الحزام والطريق، أطلقها الرئيس الصيني “تشي جين بينج” في السابع من سبتمبر عام 2013 في احتفالية بكازاخستان أثناء زيارة رسمية لوفد صيني رفيع المستوى بزعامة الرئيس “تشي” لدول منطقة وسط آسيا وروسيا، الحزام والطريق الذي يُعد أكبر مشروعات الدبلوماسية الاقتصادية للصين منذ إعلان الدولة عام 1949، هو أكبر مشروع تنموي عابر للحدود منذ مشروع “مارشال” الذي تلى الحرب العالمية الثانية لإعادة إعمار أوروبا المُدمرة.

المبادرة ليست مشروعاً تنموياً عادياً، بل تمثل تحولاً استراتيجياً فى السياسة الخارجية الصينية التى قررت الانتقال من الدولة المنغلقة على نفسها والتى تركز جهودها فى تنمية شعبها والقيادة المتواضعة التى لا تتظاهر بالقوة ولا تستعرضها، إلى دولة ذات نظرة دولية وطموح أُممي، دولة لا تكتفي فقط باستعراض قدراتها العضلية بل وتستخدمها أيضا لفرض وجودها فى المعادلة الجديدة لتوازن القوى العالمي.

معلومات عن مبادرة الحزام والطريق

عدد الدول الرئيسية للمبادرة

68 دولة وأكثر

عدد سكان دول المبادرة إلى إجمالي سكان العالم

65 %

مساهمة دول المبادرة في الاقتصاد العالمي

40 %

مساحة دول المبادرة لإجمالي مساحة العالم

41.3 %

المؤسسة التمويل الرئيسية للمبادرة

– بنك الإستثمار الآسيوي للبنية التحتية.

– قوة الصين التصويتية = 26%.

التمويل المبدئي المرصود للمبادرة من قبل الصين

تريليون يوان.

طريق الحرير: المعنويات هي حجر الأساس

الصين الحديثة تستمد هذا المشروع العملاق من التاريخ العريق والمرتبط بالحضارة الصينية القديمة والضاربة في عمق التاريخ والتي أثرت البشرية بالمنجزات والأفكار المؤثرة وتصدير العلوم والفنون المختلفة، وبالتالي فالقيادة الصينية الحالية تعزف على وتر “الإرث الجيني”، لذا فهي تعتبر المعنويات بمثابة حجر الأساس اللازم لاستخراج كافة الإمكانيات الدفينة لأبنائها لتقديم أعلى إنتاجية وأفضل نجاح ممكن لتقديم الصين الجديدة للعالم.

طريق الحرير: معلومات أساسية

– بداية العمل بالطريق كان قبل 2100 عام تقريبا فى 139 قبل الميلاد على يد الإمبراطور “وو-دي” عن إمبراطورية “هان” العظيمة.

– طول الطريق حوالي 9,000 كم وكان يبدأ من عاصمة الصين القديمة: شانجان، وينتهي فى روما.

– بداية التجارة على الطريق كانت بتبادل الأحصنة بالحرير بين الشرق والغرب.

– طريق الحرير مُقسم لخمسة طرق ومسارات مختلفة وليس طريقاً واحداً، 4 طرق برية وواحد بحري.

– طريق الحرير أطول مسار تجاري في تاريخ العالم القديم على الإطلاق.

– “ماركو بولو” 1254 – 1324، هو أشهر مستكشفي الطريق من الجانب الأوروبي لدرجة أنه أصبح جزءاً من القيادة العليا لإمبراطورية “يوان” الصينية وزعيمها “قوبلاي خان”، تستطيع مشاهدة مسلسل عن سيرته باسم Marco Polo على منصة نتفليكس.

– طريق الحرير ساهم فى ازدهار الحضارة الإنسانية بشكل منقطع النظير، عبر نقل الأفكار والإختراعات وربط العالم القديم ببعضه وتبادل التقنية وعلوم الهندسة والطب والعلوم المالية والإدارة والسياسة.

– تسمية الطريق بـ “طريق الحرير” لم تكن تسميته قديماً، بل ظهرت هذه التسمية فى القرن التاسع عشر.

طريق الحرير: تقييم محايد

البنك الدولي في دراسة بحثية أجراها على المشروع العملاق في يونيو 2019، وجد ما يلي:

1- هناك فجوات وعجز كبير لدى عدد من دول الحزام والطريق في بيئة التجارة ومناخ الإستثمار، مشروعات بنية تحتية جديدة فى هذه الدول قد تساعد فعلاً فى غلق هذه الفجوات، لكنها ستكون مُكلفة وستأتي على حساب ارتفاع مستويات الدين العام.

– التجارة والاستثمارات البينية بين دول الحزام والطريق أقل بـ 30% و70%- على الترتيب- من الإمكانيات الفعلية لاقتصاداتها والمستويات التوازنية التى تستطيع هذه الدول تحقيقها لشعوبها.

2- مشروعات النقل والمواصلات لدول الحزام والطريق بإمكانها توسيع التجارة وتخفيض معدلات الفقر عبر تخفيض تكلفة التجارة البينية، لكن فى بعض الدول تكلفة البنية التحتية الجديدة قد تتجاوز المكاسب.

– في حالة إتمام كافة المشروعات المخطط لها فى مجال النقل، قد ترتفع التجارة بين 1.7% و6.2% ويرتفع الدخل الحقيقي للسكان بـ 0.7% إلى 2.9%.

3- الدخول الحقيقية لن ترتفع لاقتصادات الحزام والطريق من دون إصلاحات حقيقية بالتوازي مع المشروعات، وهذا سيقلل تأخيرات وقيود التجارة كثيراً.

– الدخول الحقيقية قد ترتفع مرتين إلى أربع مرات أكبر من مستواها الحالي حال تنفيذ الشيئين سوياً.

طريق الحرير: المخاطر والتحديات

البنك الدولي يستكمل دراسته المحايدة إلى حد ما، ويرى باحثوه وخبراؤه أنه وبرغم المكاسب الكبيرة المحتملة لمشروعات الحزام والطريق، لكن مسألة الشفافية والحوكمة وإتاحة البيانات ومكافحة الفساد، كلها أمور أساسية لنجاح المبادرة فى إحراز تغيير حقيقي لحياة الناس ونجاح ملموس فى أساسيات الاقتصادات المشاركة، والتحليل ركز على المخاطر التالية:

1- مخاطر استدامة الدين: 12 دولة من دول المبادرة تعاني من هشاشة ائتمانية عالية وهو ما يعرضها لمخاطر متوسطة الأجل.

2- مخاطر الحوكمة: هناك قلق من أن تُسند المشروعات إلى شركات شبه حكومية أو شركات لا تلتزم بمعايير الحوكمة والشفافية.

3- مخاطر البيئة: مشروعات المبادرة قد تزيد انبعاثات الكربون بـ7% فى بعض بلدان المبادرة.

4- مخاطر اجتماعية: تداخل الدول مع بعضها البعض وانتقال وهجرة العمالة بين بلدان المبادرة قد يخلق مخاطر حدوث عنف على أساس تفرقة عنصرية وقلاقل اجتماعية.

طريق الحرير: الجائحة

عندما تنظر إلى مبادرة الحزام والطريق على أنها إحدى أدوات الدبلوماسية الاقتصادية واستعراض العضلة الاقتصادية الصينية أمام العالم لفرض ترتيب جديد للعالم، فإنه بإمكانك فهم ما حدث فى 2020 وأثره المعزز والإيجابي على المبادرة ومستهدفاتها، الجائحة سرعت من توسعات طريق الحرير وعززت من فرص ازدهاره بشكل لم يتصوره الصينيون أنفسهم.

إيطاليا كانت أولى الدول التي إشتركت في مبادرة الحزام والطريق قبل الجائحة بعام تقريبا (مارس 2019)، وللمرة الثانية تُعول الصين على الإرث والعراقة المشتركة بين شعبي البلدين الصيني والإيطالي، بين “شانجان” و”روما” والتاريخ العميق بين الدولتين والإمبراطوريات القديمة، وهو ما جعل إيطاليا بسهولة أولى الدول الأوروبية وأعضاء مجموعة السبع الصناعية المحسوبة على المعسكر الديمقراطي التي تضع يدها بيد الصين في مشروعها العالمي.

تم توقيع مذكرة تفاهم بين “بكين” و”روما” مارس 2019 بقيمة 2.5 مليار يورو لتدشين مشروعات في النقل والموانئ واللوجستيات اللازمة لتوصيل النقاط الجغرافية لطريق الحرير الواقعة في وسط وغرب آسيا بشرق وشمال أفريقيا بجنوب وغرب أوروبا.

وحين وقعت الجائحة مارس 2020، كانت إيطاليا مؤهلة لأن تكون أول المنتقدين والمنزعجين من استجابة أوروبا لطلبات الاستغاثة الإيطالية التي لم تجد يداً مدودة لها سوى اليد الصينية بشحنات الأقنعة والقفازات وأجهزة التنفس الصناعي والمستشفيات المتنقلة والأطقم الطبية الخبيرة.

إحصائيات مشروعات “الحزام والطريق” حتى 2021

عدد المشروعات المنفذة حتى الآن

13,427  مشروع

قيمة المشروعات المنفذة

843 مليار دولار

النطاق الجغرافي للمشروعات المنفذة

165 دولة

طريق الحرير: اتجاه معاكس

هناك مجموعة من الحقائق التي بدأت تتبين للباحثين والمتابعين بعد 8 سنوات على إطلاق المبادرة:

– 42 من بلدان المبادرة مدينة للصين بمقدار يوازي 10% من ناتجها المحلي الإجمالي.

– 47 مشروعاً يساوي 41.2 مليار دولار واجهت فضائح فساد أو سوء تصرف وإدارة.

– دول قامت بإلغاء بعض مشروعات الحزام والطريق من 2018 حتى الآن: ماليزيا، كازاخستان، بوليفيا، كوستاريكا، السودان، إثيوبيا، الإكوادور، زامبيا، الكاميرون، تم إلغاء مشروعات بهذه الدول بقيمة إجمالية 3.3 مليار دولار.

طريق الحرير: انطلاق المكابح الغربية

هناك مشروع خرج من الغرب لكبح جماح “الحزام والطريق” الصيني الذي يغزو دولها ومناطق نفوذها وسيطرتها التاريخية، وهو مشروع “إعادة البناء بشكل أفضل للعالم” الذي أطلقته مجموعة السبع يونيو الماضي بدعم مباشر ورئيسي من القوة الغربية الأكثر ثقلاً وهي الولايات المتحدة ورئيسها “جو بايدن”.

وبالفعل بدأت أولى الخطوات الفعلية للمشروع الأمريكي الغربي الجديد بإعلان زيارة نائب مستشار الأمن القومي لشؤون الإقتصاد الدولي “داليب سينج”، إلى أمريكا اللاتينية فى الثامن والعشرين من سبتمبر ليلتقي بالمسؤولين الرسميين ويعقد جلسات استماع لوجهات نظر واحتياجات المجتمعات لدول منها كولومبيا والإكوادور وبنما.

طريق الحرير: خطة واشنطن ينقصها الوضوح

ومع ذلك فإن الخطة الأمريكية لكبح التوسعات الصينية فى مناطق نفوذ واشنطن- مثل مناطق جنوب شرق ووسط آسيا أو جنوب وغرب أوروبا وحتى أمريكا اللاتينية- تظل حتى اللحظة خططًا على ورق فقط أي كلمات تفتقد للفعل، يُمكن أن تعتبرها رصاصة دون بندقة.

وفى نفس الوقت يجب الأخذ بعين الاعتبار أن ميلاد الخطة الصينية جاء مبكراً بثماني سنوات عن ميلاد نظيرتها الأمريكية وهو ما يجعل الأخيرة ورغم قوتها وثقل القدرات الأمريكية لكنها تظل خطة في مرحلة الإطلاق التجريبي وغير ناضحة وتفتقد للرؤية طويلة الأجل والمستهدفات الدقيقة.

الخلاصة أنه مع فورة الحرب الاقتصادية الصينية الأمريكية والتى تطورت إلى مستويات أكثر سخونة في الأعوام القليلة السابقة أي فترة 2018 و2021 في عهد “ترامب” ثم في عهد “بايدن”، بدأت مبادرة الحزام والطريق فى فقدان الزخم الذي كانت تتمتع به فترة 2013 – 2017، قد تكون الجائحة في البداية صبت في صالح المبادرة والأهداف الصينية عبر استخدام دبلوماسية اللقاح لتعزيز نفوذها السياسي والإقتصادي والدعائي في الدول الغربية.

لكن الاستفاقة الغربية التي جاءت مع وصول “بايدن” للبيت الأبيض يبدو أنها تعزز من فقدان زخم “الحزام والطريق” لتبدأ الكفة في الميل ناحية المشروع الغربي المنافس، ومن يكون المستفيد الوحيد من الصراع بين القطبين العالميين والقوى العظمى؟ الدول الناشئة التي تحتاج إلى هذه المشروعات، شرط ألا تكون مرهقة لاقتصاداتها ومنهكة لقدرتها على السداد وطالما كانت ملتزمة بمعايير مكافحة الفساد والشفافية وحوكمة الشركات المشاركة بالمشروعات.

المصادر: أرقام – البنك الدولي – AID Research Lab –  College of William and Mary– الخارجية الأمريكية – السفارة الأمريكية فى الإكوادور – ستاتيستا – سي إن بي سي – Boston Consulting Group – China Highlights – Britannica.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق