أخبار عاجلةأسواق الأسهماقتصاد وأعمالالكويت

القوانين الشعبوية ضريبة الإخفاق التنموي!

فشل السياسات الاقتصادية الحكومية حفّز المقترحات ذات الكلفة المالية

توالت في الفترة الأخيرة العديد من الاقتراحات النيابية ذات الطابع الشعبوي الانتخابي دون اعتبار لأوضاع الخزينة العامة، التي تحمّل المالية العامة أو مؤسسات الدولة كلفة نقدية متراكمة، كمقترحات توزيع جزء مما يسمى أرباح محفظة التأمينات الاجتماعية على المتقاعدين، أو توزيع جزء من عوائد الصندوق السيادي على المواطنين، أو إسقاط فوائد القروض عن المقترضين، ناهيك عن مقترحات متنوعة بشأن زيادة علاوات الأولاد أو رفع مخصصات إعانات ذوي الإعاقة أو الاستبدال النقدي للإجازات السنوية للموظفين.

ولعل من الإنصاف القول، إن هذه المقترحات ذات الطبيعة الانتخابية المباشرة، بكل ما فيها من آثار مالية متراكمة لسنوات قادمة على ميزانية الدولة أو مالية مؤسساتها، لا سيما “التأمينات” هي نتيجة أكثر من كونها سبباً، إذ لم تكن لتحظى بالقبول الشعبي؛ لولا أنها وجدت مناخاً قابلاً للتصديق والترويج، متمثلاً في الإخفاق التنموي للمشاريع والخطط الحكومية لسنوات طويلة في تحقيق رفاهية حقيقية للمواطن أو الناخب الكويتي، فكانت المقترحات الشعبوية على ارتفاع تكلفتها المالية وضعف مهنيتها وانحرافها عن مقاصد التنمية الاقتصادية، أو حتى الاجتماعية، بديلاً مناسباً في مخاطبة النواب لقواعدهم الانتخابية، لا سيما في برلمان يطغى عليه العمل الفردي والطبيعة الشخصية.

أثر السياسات

وبالتوازي مع الإخفاق التنموي الملازم لأعمال الحكومات المتعاقبة، خصوصاً خلال فترات انتعاش أسعار النفط، وما واكبها من تحقيق فوائض استثنائية، مثّلت سياسات اقتصادية ومالية حكومية خلال السنوات الماضية محفّزاً آخر لبروز المقترحات الشعبوية ذات الطبيعة المالية، فلم تكن مواجهة الدولة لانخفاض أسعار النفط أقل سوءاً من المقترحات الشعبوية، التي لا تتوقف لا في زمن فائض أو عجز، إذ استنفدت الحكومة السيولة الكاملة في صندوق الاحتياطي العام لتغطية العجز في الميزانية، وأيضاً لتمويل مصروفات عسكرية وغيرها، وواصلت تنفيذ سياساتها التوسعية في الإنفاق العام بمعدل لا يقل عن 6 إلى 8 في المئة سنوياً، وأقرت ميزانيات مليارية منفلتة في المصروفات لم تكبحها حتى أزمة “كورونا”، كان آخرها ميزانية 2021 – 2022 بمصروفات قيمتها 23 مليار دينار، التي أقرت حتى دون مناقشة.

نتائج التنمية

كذلك أفضى الإخفاق الحكومي في تنفيذ مشاريع التنمية على مدار السنوات الـ 12 الماضية إلى تعزيز فاعلية وانتشار الخطاب الشعبوي المستنزف للمالية العامة، إذ تشير بيانات خطة التنمية، في نهاية نسختها الثانية لعام 2020 -الثالثة لم تصدر حتى الآن- إلى قصور واضح في تنفيذ عدد ضخم من المشاريع الإنشائية والخدمية المدرجة تحت بندي “التنموية” و”البنى التحتية”، فلم تتمكن الكويت رغم السنوات والخطط والفوائض المليارية من إنجاز ميناء مبارك الكبير، أو حتى البدء بمدينة الحرير أو تنفيذ مطار الكويت الجديد في وقته المحدد، ناهيك عن العجز اللافت في إحداث تغييرات جذرية ذات طابع تنموي كرفع ترتيب الكويت المتدهور في التعليم على المؤشرات الدولية أو بناء مصدات اقتصادية تقي مالية الكويت تقلبات أسعار النفط العالمية.

بل تجاوز الإخفاق التنموي حتى مسألة تمدد الخطاب الشعبوي، الذي أصاب الحكومة أيضاً؛ من خلال تساهلها في تمرير مشاريع ذات كلفة مالية بلا عائد اقتصادي أو حتى اجتماعي مستدام، كموافقتها على قانون تأجيل سداد أقساط القروض – وهي التي تتحمل تاريخياً الاختلال العميق في نظام الرواتب بموافقتها السياسية لا الفنية على معظم الكوادر والبدلات – لتصل إلى مستوى جديد تضاءلت فيها طموحات الإدارة الحكومية إلى مستويات دنيا لا تليق أصلاً بالدول… كأن تهتم فقط في إيجاد الموارد المالية لسداد الرواتب على المدى القصير أو التي يقتصر حديثها في الإصلاح الاقتصادي على مسألة “عدم المساس بجيب المواطن”، وهذا بلا شك انخفاض في مستوى طموحات الحكومات، التي عبر عنها الأسبوع الماضي برنامج عمل الحكومة الملتبس والغائب عن البدائل والحلول؛ سينتج عنه المزيد من التمدد في الخطاب الشعبوي، لا سيما مع تزايد عجز الدولة في توفير خدماتها الأساسية والطبيعية خلال السنوات الماضية.

تدهور الخدمات والمعالجات

لا شك أن تراكم الطلبات الإسكانية وتباطؤ إنجازها، إلى جانب تدهور خدمات التعليم والصحة، وحتى الطرق، إلى جانب غياب الحلول الاقتصادية والمالية لعجوزات الميزانية ونمو المخاطر من إقرار ضريبتي القيمة المضافة والانتقائية واللجوء إلى الدين العام والسحب من احتياطي الأجيال كحلول مالية دون معالجات اقتصادية جذرية، ناهيك عن توالي قضايا الفساد المالي بمئات الملايين من الدنانير، بل حتى حرمان المواطنين من الفوائد الاستثمارية، التي يمكن الحصول عليها من خلال الاكتتاب في تأسيس الشركات المساهمة العامة مقارنة بدول الخليج الأخرى، كلها في المجمل عوامل تفضي إلى ردة فعل عكسية في تمدد الخطاب الشعبوي وسهولة تقبله في المجتمع، من خلال مقترحات متسارعة لن تراعي المصاعب المالية للدولة لا حاضراً ولا مستقبلاً.

التضخم والإخفاق

خلال الفترة الماضية، تنامت في العالم كله مسألة التضخم وبات غلاء الأسعار جزءاً مهماً مما يؤرق حكومات العالم ومؤسساتها الاقتصادية، وفي الكويت لم تتفاعل حكومتها أو مؤسساتها المالية والاقتصادية مع ملف التضخم فحسب، بل أخفقت من خلال امتناع الإدارة المركزية للإحصاء عن إصدار بيانات التضخم اللازمة للدولة والمستهلك للتعامل مع هذه المسألة… مما يبين أن تمدد الخطاب الشعبوي في أحيان كثيرة مرجعه إخفاق حكومي أكثر من كونه مزايدة نيابية!

أصل الأزمة

وأصل أزمة الاقتصاد في الكويت مردّه إلى أمرين، الأول يتمثل بمحدودية قدرات الإدارة الحكومية، حكومة تلو الأخرى، في إدارة ملفات الدولة والتعامل مع تحدياتها، والثاني غياب المشروع الاقتصادي الواضح الذي يعالج الاختلالات الحالية ويرسم طريق المستقبل، وبسبب هذين الأمرين تتصاعد التحديات التي تواجه الاقتصاد، ومنها تنامي الخطاب الشعبوي لا اختلاف في ذلك بين نواب مجلس الأمة الذي يغلب على طبيعة مؤسسته العمل الفردي أو الحكومة ذات الطبيعة المتضامنة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق