أخبار عاجلةأخبار العالم

الملياردير في قفص الاتهام.. قصّة أكبر انهيار في تاريخ التشفير

صحيح أن عالم التشفير شهد خسائر مالية فادحة من قبل، وقد يشهد مجدداً، لكن لم يحدث أبداً في تاريخ الأعمال منعطف مفاجئ أكبر من الذي رأيناه الأسبوع الماضي. حيث كان انهيار بورصة العملات المشفرة «إف تي إكس» FTX ورئيسها سام بانكمان فرايد الأكثر أهمية من الناحية التنظيمية لبيئة التشفير العالمية، وحجم الخسارة وحده يوحي بذلك. ويمكن القول الآن إن سام، أو SBF، كما هو ملقب عالمياً، أصبح المحتال الذي اختلس أموال عملائه، بعد أن كان الرجل الأكثر موثوقية في عالم التشفير.
وإذا صحّ ذلك بالأدلة والقوانين، فسيكون لدى المشرّعين كل الأسباب لتجاهل مناشدات الصناعة للحصول على معاملة تنظيمية خاصة. وربما تمر سنوات عديدة قبل أن يكون لدى رواد الأعمال المشفرة أي أمل في أن يُعاملوا كما لو كانوا مسؤولين ملتزمين بالقانون. خلاصة القول، لقد كان الحلم المعلن لسام بانكمان فرايد ومنصة «إف تي إكس»، وحلم معظم رواد أعمال التشفير الآخرين هو تحسين جودة القطاع ليكون بديلاً للبنية التحتية المالية الحالية في العالم. لكن هذا الحلم تلاشى الآن.
بدأت الحكاية عام 2017، عندما لاحظ سام، حسبما قال، شيئاً غريباً ومضحكاً في موقع تداول العملات المشفرة «CoinMarketCap.com»، مفاده أن سعر بيتكوين لم يكن موحداً في بعض بورصات العالم، وأنه رأى فرقاً بنسبة 60% في قيمة العملة أحياناً. فدفعته غريزته المباشرة إلى استخدام استراتيجية «تداول المراجحة»، أي شراء عملة البيتكوين، أو ورقة مالية ما، في إحدى البورصات وبيعها في نفس الوقت في بورصة أخرى وبسعر أعلى وبالتالي تحقيق ربح كبير من فارق السعر. وكانت فرصة المراجحة تلك مواتية بشكل خاص ومقنعة ل SBF في بورصة كوريا الجنوبية، حيث كان سعر بيتكوين المدرج فيها آنذاك أعلى بكثير منه في البلدان الأخرى. وأطلق سام على العملية مجازاً اسم «كيمتشي»، في إشارة إلى الطبق الكوري الجنوبي الشهير.
وبعد بضعة أسابيع من انغماسه في سوق التشفير، أطلق سام بانكمان فرايد شركته التجارية الخاصة «ألاميدا ريسيرش»، كناية عن مسقط رأسه في ألاميدا بولاية كاليفورنيا، وكانت الشركة أشبه بصندوق تحوط تابع ل «إف تي إكس» تهدف إلى توسيع الفرص ونطاق العمل أكثر. لتجني الشركة بعد فترة وجيزة أرباحاً بلغت في بعض الأحيان مليون دولار يومياً، بحسب قول سام في سبتمبر/ أيلول من ذلك العام. ولكن اتضح لاحقاً أن الصورة الوردية ل «ألاميدا» لم تكن مشعّة ومربحة باستمرار كما أبلغ مؤسسها.
قيام الامبراطورية:- حصل سام، أو SBF، على مصداقية لاعبي التشفير العالميين لتنفيذه استراتيجية تداول مباشرة نسبياً لم تكن ممكنة وبهذه السهولة قبل خمس سنوات. استراتيجيةٌ تضمنت المراجحة في بيتكوين وإنشاء روابط بين كل منصة من منصات التداول، بالإضافة إلى خلق بنية تحتية معقدة جديدة تفي بمتطلبات الصناعة. وسطع اسم «ألاميدا» عالياً في ذلك الوقت، وبدأت الأموال بالتدفق. ومن هنا، خطت إمبراطورية سام أولى خطواتها الثابتة في عالم التشفير، لتتربع في وقت قياسي على رأسمال يفوق ال 32 مليار دولار.
حفّز نجاح ألاميدا إطلاق منصة «إف تي إكس» لتبادل العملات المشفرة في ربيع عام 2019. وانطلقت بسرعة الصاروخ وأدى نجاحها إلى إنشاء صندوق استثماري بقيمة ملياري دولار، الأمر الذي أسس شركات تشفير أخرى. وعليه، نمت الثروة الشخصية ل سام بانكمان فرايد إلى أكثر من 16 مليار دولار في مارس/آذار من العام ذاته. وأصبح سام فجأة الرمز المرتبط بالعملات المشفرة في كل مكان، وزين شعار «إف تي إكس» كل شيء، من سيارات الفورمولا 1 إلى ملاعب كرة السلة في ميامي. ليصبح الشاب البالغ من العمر 30 عاماً محط أنظار الصحافة العالمية، متفاخراً بميزانية تمكنه من شراء بنك «غولدمان ساكس» يوماً ما، بحسب وصفه. كما أصبح لاعباً أساسياً في واشنطن العاصمة، وأحد أكبر المتبرعين للحزب الديمقراطي، واعداً بإغراق مليار دولار في السباقات السياسية الأمريكية، قبل أن يتراجع لاحقاً.
سقوط «التوكنز» الجماعي:- مرت الأيام وانخفضت أسعار العملات المشفرة لتصل ذروتها هذا العام، ومع ذلك، تفاخر سام بأنه وشركته محصّنون. لكن في واقع الأمر، أدت أسعار الرموز (التوكنز) المنخفضة إلى امتصاص مليارات الدولارات من السوق، مما أثر مباشرة في أعمال سام بانكمان فرايد. وضرب الفشل المذهل ذاك أولاً العملة المستقرة المرتبطة بالدولار الأمريكي المعروفة باسم «تيرا يو إس دي»، أو UST، ورمزها المميز «Luna»، مما أدى إلى تبخّر 60 مليار دولار على الفور. وساعد هذا الانهيار في إسقاط أحد أكبر صناديق تحوط العملات المشفرة وأكثرها مصداقية «Three Arrows Capital». وكان وسطاء ومقرضون آخرون في الصناعة مثل «فويجير ديجتال»، و«سيلسيوس» انكشفوا بشكل كبير على الصندوق، ليسقطوا معه بتتابع سريع في شرك الانهيار المفاجئ.
وقوع الرافعة المالية:- تمثلت المشكلة الكبرى باقتراض جميع اللاعبين من بعضهم بعضاً، الأمر الذي لا ينجح إلا عندما يستمر سعر كل تلك العملات المشفرة في الارتفاع. لكن بحلول يونيو/ حزيران، انخفضت كل من عملة البيتكوين والإيثر بأكثر من النصف. وبهذا الصدد قال هارت لامبور، متداول السندات الحكومية السابق في بنك غولدمان ساكس والعامل في مجال التمويل اللامركزي: «الرافعة المالية هي سبب كل انهيار داخلي في المؤسسات المالية، سواء التقليدية أم المشفرة. مشيراً إلى أن مؤسسات مالية مثل ليمان براذرز، وبير ستيرنز، ولونغ تيرم كابيتال، وثري أروز كابيتال، والآن إف تي إكس، انفجروا جميعاً بسبب الرافعة المالية السيئة التي تم اكتشافها واستُغلت من قبل السوق. ووسط موجة الإفلاس تلك، طلب بعض مقرضي ألاميدا استرداد أموالهم. لكن المفاجأة أن الأخيرة لم يكن لديها ما تملكه لأن سام أفرغها من السيولة. وللوفاء بالتزامات الديون، اقترضت «إف تي إكس» المليارات من ودائع عملائها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في ألاميدا (وبهدوء تام)، حسبما ذكرت «وول ستريت جورنال» و«ذا تايمز» بحسب إقرار سام نفسه، دون الكشف عن المبلغ الدقيق المسحوب. حيث قال لصحيفة التايمز: «لقد كان مبلغاً أكبر بكثير مما كنت أعتقد، وفي الواقع كانت مخاطر الهبوط كبيرة للغاية».
تجدر الإشارة إلى أن استغلال أموال العملاء دون إذن يعتبر خرقاً لبنود وشروط «إف تي إكس» الخاصة. وفي «وول ستريت»، يُعد ذلك انتهاكاً واضحاً لقوانين سوق الأوراق المالية الأمريكية. وكان من المفترض أن يتم فصل الشركتين «إف تي إكس»، و«Alameda»، لكن ذلك لم يحصل. وعلّق نيك كارتر من Castle Island Venture قائلاً: «كانت الروابط بين إف تي إكس وألاميدا إشكالية للغاية، وكان سام بانكمان فرايد يدير بورصة ومتجراً للتداول داعماً لها في وقت واحد، وهو أمر غير تقليدي ولا يُسمح به حقاً في أسواق رأس المال المنظمة فعلياً».
القشة التي قصمت ظهر البعير
وسط كل هذا الصخب، واصل سام ظهوره الإعلامي مدافعاً عن امبراطوريته التقنية في هذا العصر. إلى أن دخل في خلاف مع «باينانس»، بورصة العملات المشفرة المنافسة، لتبدأ جدران «إف تي إكس» الثقيلة بالسقوط.
تعود العلاقة بين«باينانس» وسام بانكمان فرايد إلى بداية عهد الأخير في القطاع تقريباً. ففي عام 2019، أعلنت منصة العملات المشفرة الأكبر في العالم عن استثمار استراتيجي طويل الأجل في «إف تي إكس» للمساعدة في تمكين نموها البيئي المستدام.

لكن في صيف العام الجاري، ضغط سام على المنظمين للنظر في باينانس، وانتقد أعمال البورصة علناً دون سبب وجيه أو شكوك مشروعة، وربما كان الأمر كله بدافع الغيرة، والسبب ببساطة هو أن باينانس تعتبر منافساً رئيسياً ل «إف تي إكس»، سواء كبورصة أو كمستحوذ محتمل على شركات تشفير أخرى متعثرة. ومهما كان السبب، استغل تشانغ بينغ زاو، مؤسس «باينانس» ورئيسها التنفيذي، والمعروف ب» سي زي«، تصرف سام أحسن استغلال ورأى منه فرصة مواتية للهجوم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق