أخبار عاجلةأسواق الأسهماقتصاد وأعمالمقالاتمقالات وأراء

انهيار قلعة ديون “جنرال إلكتريك” بدأ منذ 130 عاماً..

كتب أسامة صالح

ورد في الاخبار مؤخراً أن شركة جنرال الكتريك وهي الشركة متعددة الأنشطة والتي شرعت في فصل أعمالها إلى 3 شركات مستقلة بعد عمر يمتد إلى 130 سنة تقريباً، وكذلك الأمر بالنسبة لشركة ( توشيبا) والتي كانت ذات يوم بمثابة وحدة “جنرال إلكتريك” اليابانية بالفعل، والتي تدرس في الوقت الحالي الانقسام لثلاث شركات مستقلة.

لقد كانت شركة “جنرال إلكتريك” مصدراً للبحث والتطوير منذ انطلاقتها، وتألقت الشركة بطريقة هائلة من الناحية المالية بنفس قدر تألقها الفائقة على الجانب الهندسي.

ولا يقل الفشل في مواكبة سبل تغير أسواق الأسهم والديون خلال القرن الـ21 أهمية كعنصر في حدوث انهيارها عن وقوع الأخطاء على الصعيد الصناعي.

وبالنظر إلى تاريخ شركة “جنرال إلكتريك” باعتباره سلسلة من الابتكارات القائمة على الاستدانة، جرى ضم أنشطة الشركة في عملية اندماج بغرض الإنقاذ برهانٍ تسبب في كارثة على التيار المتناوب على أساس أنه مستقبل توزيع الكهرباء.

وينظر إلى النشاط التجاري كوسيلة للسيطرة على السوق الجديد في قطاع الكهرباء بذات الأسلوب المستخدم من قبل شركة “ستاندرد أويل كو” المملوكة لجون دي روكفلر لفرض السيطرة على قطاع النفط الأمريكي، وتم استخدام هذه الحيلة عند بناء شركة “يو إس ستيل كورب” لاحقاً من خلال إمبراطورية أندرو كارنيغي.

يتطلب احكام السيطرة بطريقة احتكارية على قطاع بأكمله مبالغ طائلة من رأس المال، لم يكن تحقيقه أمراً سهلاً في الوقت الذي كان يفضِّل فيه أصحاب المتاجر والمزارعون المهيمنون على سوق السندات الأمريكية إعطاء التمويل إلى الحكومات البلدية وشركة السكك الحديدية والمرافق العامة عوضاً عن الشركات الصناعية.

عندما تأسست شركة “إلكتريك بوند آند شير كو” كان الهدف هو للحصول على أسهم في شركات الكهرباء، وبعدها القيام بالاقتراض بأسعار فائدة مخفضة، ومن ثم شراء معدات توليد الكهرباء الخاصة بشركة “جنرال إلكتريك”.

باتت الأسر بدون سيولة نقدية في ظل حدوث الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي تسمح لها بشراء الأجهزة الاستهلاكية كالثلاجات مثلاً، فكررت الشركة نفس الحيلة عبر تأسيس شركة “جنرال إلكتريك كريديت كورب” لذات الهدف وهو جعل التمويل متاحاً بالنسب للزبائن لشراء منتجاتها.

وفقاً لذلك المنطق، فإن أصل انهيار “جنرال إلكتريك” بدأ منذ وقتٍ طويل مع السماح للشركة في فترتي الثمانينيات والتسعينيات، لذراعها التمويلي بالنمو ليكون حجمه عملاقاً.

كانت شركة “جنرال إلكتريك كابيتال” (GE Capital) تحتل المرتبة الخامسة كأكبر مُقرض في الولايات المتحدة عشية الأزمة المالية التي اندلعت في عام 2008، في ظل سيطرتها على 4% تقريباً من السوق بأكمله في صورة قروض عبارة عن أوراق مالية تجارية قصيرة الأجل.

لقد كان الأمر متضخماً للغاية، بيد أن تطور شركة “جنرال إلكتريك كابيتال” لم يكن استثنائياً عبر تاريخ الشركة. عوضاً عن ذلك، كان هذا بمثابة مرحلة ازدهار النمو الأخيرة التي يدفعها الائتمان بطريقة مثالية والذى بقي مصاحباً للشركة منذ تأسيسها على يد أكبر الممولين في أمريكا.

حتى البناء الهيكلي لشركة الأنشطة المتعددة الذي سيتم تجزئته، يعود في بعض جوانبه لأسباب تتعلق بالاستجابة للظروف الخاصة بالائتمان.

فعندما توجد ندرة في الديون، لا يكون لدى المقرضين رغبة في توفير الأموال لتوسيع أعمال جديدة ومبتكرة – بيد أنهم سيكونون سعداء عند القيام بتمويل شركة عملاقة رائدة، وهو عنصر كان في الماضي يعطي الشركات متعددة الأنشطة في القطاعات ميزة تفضيلية مقابل الشركات الصغيرة.

كان في إمكان شركة “جنرال إلكتريك” من خلال الاقتراض بالاعتماد على الميزانية العمومية الضخمة لديها، نقل الأموال النقدية ذات التكلفة الأقل من السوق إلى مشروعات أشد خطراً، وهو ما ساهم في عملية الابتكار بطريقة أكثر سرعة والتوصل للعديد من الاختراعات المتقنة التي نشأت من خلال “مختبر الأبحاث” مثل المصابيح الكهربائية، ومحطات الكهرباء، ومعدات الأشعة السينية، والمواقد الكهربائية، بالإضافة إلى أجهزة الراديو والتلفزيونات والليزر والمحركات النفاثة والطاقة النووية.

أن هذا النمط – الذي جري تصميمه لتكون “جنرال إلكتريك ” ذات جاذبية إلى حد ما بالنسبة للمقرضين الذين يفضِّلون تجنب الدخول في مخاطرة، ولديهم التصنيف الائتماني الأكثر ارتفاعاً الذي يمكن الحصول عليه وهو (AAA) خلال فترة تمتد لما يزيد على نصف قرن، يتعين القيام بربطه بحملة لتعظيم القيمة للمساهمين إلى الحد الأقصى.

لم يكن تهور ذلك الطموح في تجاهل المسؤوليات الأخرى الواقعة على كاهل المشروع بداية من الموظفين وسلاسل التوريد وصولاً إلى المواقع التي تقوم بالعمل فيها وتُحدِث فيها تلوثاً.

كان الاهتمام الأول والوحيد لشركة “جنرال إلكتريك” هو تحقيق القيمة ليس للمساهمين ولكن لحملة السندات، وهي المجموعة التي من المفترض أن تكون مصالحها في حالة توتر دائمة مع مُلاك الأسهم.

وواكب تقدم عمر نسخة أعمال “جنرال إلكتريك” وإصابتها بالشيخوخة تقدم عمر سكان الولايات المتحدة والذين كانوا يقومون بتمويل طموحاتها على نحو دائم.

لقد زاد متوسط العمر المتوقع من 48 عاماً في عام 1900 إلى ما يقرب من 80 عاماً في الوقت الحالي، وهو ما يعني وجود أعداد أكبر للغاية من السكان في سن التقاعد الذين يعيشون على عوائد مدخراتهم.

وبات الائتمان النادر الذي أدى دوره في تحقيق الصعود لشركة “جنرال إلكتريك” وفيراً بدرجة هائلة إلى حد أنه يوجد ما يفوق 13 تريليون دولار من الديون المتداولة بينما تحقق عائدات سلبية.

ويدفع المقترضون مقابل الميزة المتحققة من عملية إقراض المال، تمثل الديون الفرعية من الدرجة الاستثمارية ذات العوائد العالية نصيباً هائلاً من سوق السندات الأمريكية سنوياً.

تتمتع الشركات متعددة الأنشطة في الوقت الحالي بقدرة ربحية بطريقة كبيرة يكفي معها تجاهل الفوائد المدفوعة على تلك الأموال الرخيصة تماماً.

بقيت شركة “أمازون.كوم إنك” وشركة “أبل إنك” وشركة “بيركشاير هاثاواي إنك”، متنوعة للغاية في عملياتها على غرار أي شركة متعددة الأنشطة من النمط القديم من ناحية القواعد الأساسية متجنبة للديون حتى في ظل تحقيقها للنمو لتصبح شركات رائدة تصل قيمتها أحياناً لتريليونات.

باستخدام السندات غير المرغوب فيها والعجرفة كرست شركة “تسلا موتورز” نفسها لتصنيع سيارات كهربائية. لقد تخطت “تسلا” القيمة السوقية لشركة “جنرال إلكتريك” في مطلع عام 2020، عقب مرور سنتين على تسوية قضية احتيال مع الجهات التنظيمية لسوق الأوراق المالية.

وفي الوقت الحاضر، تبدو شركة “جنرال إلكتريك” وكأنها قطعة أثرية تعود لحقبة زمنية انتهت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق