أخبار عاجلةأخبار العالممنوعات

ثمة “بجعة سوداء” تثير القلق دائماً .. كيف يتشابه تحرك أسواق الأسهم مع قيادة السيارات؟

عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، كان ذلك “نظريًا” بسبب اغتيال ولي عهد النمسا “فرانز فرديناند” في عاصمة البوسنة والهرسك “سراييفو”.

وعلى الرغم من الأجواء الملبدة بالتوتر في أوروبا آنذاك إلا أن أحدًا لم يكن يتنبأ وقتها باشتعال حرب واسعة النطاق على هذا المستوى، تتسبب في مقتل وإصابة نحو 36 مليون شخص أي أكثر ممن قضوا في الحروب خلال المائة عام التي سبقت هذه الحرب.

ولذلك كانت الحرب العالمية الأولى بالتعريف “بجعة سوداء”، وهو مصطلح يطلق على الأحداث إذا كانت نادرة وصعبة جدًا في توقعها، وذات آثار سلبية شديدة للغاية، ويصعب “الفرار منها”؛ بسبب امتداد تداعياتها على نطاق واسع للغاية.

بجعة ولكن سوداء

وظهر هذا المصطلح في كتاب “نسيم نيوكولاس طالب” “البجعة السوداء: تأثير حدوث الأشياء غير المحتملة”، ويشير “طالب” إلى أنه في كثير من الأحيان بعد مرور فترة على حدث “البجعة السوداء” فإن كثيرين “يدعون الحكمة بأثر رجعي” برصد مقدمات البجعة السوداء واعتبار أنه كان يمكن التنبؤ بها.

واستخدام تعبير “البجعة السوداء” جاء لاعتقاد الأوروبيين أن البجع لا يوجد إلا باللون الأبيض فحسب، إلا أن أسفارهم في فترة الاكتشافات الجغرافية قادتهم لمعرفة وجود بجع باللون الأسود، بما جعل البجعة السوداء بمثابة إشارة لشيء نادر غير متوقع بالنسبة إليهم.

وهذه القصة دليل على محدودية معارف البشر المستقاة من الملاحظة والتجربة، وللإشارة إلى مدى هشاشة مدارك الإنسان عن الأشياء والأمور.

فمجرد مشاهدة واحدة لبجعة سوداء كانت كفيلة بأن تطيح بمصداقية اعتقاد شائع مبني على مشاهدات البشر لملايين من البجع الأبيض لسنين طويلة، وكل ما احتاج إليه نقض هذا المفهوم هو مجرد وقوع نظر أحدهم على بجعة سوداء واحدة.

وقد يكون حدث البجعة السوداء عسكريًا مثل الحرب العالمية، أو اقتصاديًا مثل إفلاس بنك “ليمان براذرز”، أو حتى ظاهرة طبيعية على هيئة زلزال مروع أو وباء ينتشر، أو غير ذلك من الأحداث التي ينطبق عليها تعريف الندرة وصعوبة التوقع والآثار السلبية الواقعة.

علامات ظاهرة ولكن

لا يوجد عامل واحد أدى إلى أزمة عام 2008 (أو بجعة 2008 السوداء)، ولكن ربما ساهم تزايد الائتمان الرخيص والسهل، جنبًا إلى جنب مع شيوع عقلية “هذه المرة – إنها مختلفة” (أي أن الأمور تحت السيطرة ولن تحدث أزمة).

ويقول كثيرون حاليًا إن أمارات أزمة اقتصادية كانت ظاهرة قبل انهيار 2008، بل ويوردون تنبؤات اقتصاديين أبرزهم “جيسي كولمبو” الذي تنبأ بالأزمة قبلها بعام، و”نورييل روبيني” الذي أشار لاحتمال حدوث الأزمة منذ عام 2005، وغيرهم.

ولكن وجود مثل هذه التبؤات لم ينف حقيقة أن الأغلبية الكاسحة من المسؤولين والمتعاملين والأكاديميين لم يروا الأزمة التي تتجمع في الأفق حتى ضربت بكل قوة، وبالتالي جاء التأثير مدويًا أو كما يعرف بـ”العاصفة المثالية”.

محاولات للتنبؤ

وعلى الرغم من صعوبة التنبؤ بـ”البجعة السوداء” كما أسلفنا إلا أن هناك بعض المحاولات لرصدها أو على الأقل تبيان مدى تكرارها كوسيلة لاتقاء آثارها السلبية.

وفي سوق الأسهم الأمريكية مثلا هناك نموذج لمحاولة حساب مدى أو حجم “البجعة السوداء” التي تعترض سوق الأسهم؛ حيث إن سوق الأسهم الأمريكية تنخفض بمعدل 10% مرة كل 11 شهرًا، وبمعدل 15% مرة كل عامين وبمعدل 20% مرة كل 4 أعوام في المتوسط.

كما تنخفض سوق الأسهم الأمريكية بمعدل 30% مرة كل 10 سنوات، بينما ينخفض السوق بنسبة 50% مرة كل 30 عامًا تقريبًا.

وقد تم رصد هذه النسب من خلال تحليل بيانات الأسواق الأمريكية بين عامي 1928-2016 بما فيها من مؤشرات متعددة لكي يتم التوصل إلى عدد “البجعات السوداء” التي اعترضت السوق الأمريكية خلال تلك الفترة.

وهنا يجب القول بأن بعض تلك الأحداث التي أدت لانخفاض السوق كانت مؤقتة، مثل أحداث 11 سبتمبر، ولكنها كانت غير متوقعة بالتأكيد، وبعد فترة وجيزة بدأ التأثير الأكبر ينحصر في قطاع الطيران.

احتمالات “بجعة جديدة”

وعلى سبيل المثال يعتبر البعض أن الحرب الأوكرانية وارتفاع مستويات التضخم وعلامات الركود واتجاهات الانقسام الاقتصادي بين دول العالم والقيود الحمائية وتصاعد وتراجع انتشار فيروس “كورونا” كلها “سويًا” بمثابة بجعة سوداء قادمة؛ لأن ائتلاف تلك العناصر سويًا لم يكن متوقعًا وآثار اجتماعها أيضًا يصعب التنبؤ بها بشدة.

وما يزيد من خطورة كل تلك العناصر أنها تأتي في وقت تخطى مستوى الدين العالمي مستويات قياسية غير مسبوقة في التاريخ، بتخطيه حاجة 300 تريليون دولار، حيث أصبح الدين العالمي أكثر من 351% من الناتج العالمي.

ولذلك فإن أي تعثرات اقتصادية لكيانات كبيرة؛ دول أو شركات، قد يليها تأثير الدومينو بعجز كيانات كثيرة عن سداد ديونها وبالتالي ظهور أزمة اقتصادية عالمية جديدة.

وعلى الرغم من أن هذه الصورة تدعو للقلق مثلًا إلا أن غالبية المتعاملين والمسؤولين لا يلقون لها بالاً مقارنة بمؤشرات أخرى مثل التوظيف والبطالة ومستويات سعر الفائدة ونسبة النمو والعجز التجاري.

وفي هذه النقطة يشير “طالب” في كتابه إلى أن الناس تبدو في تحليلها كما لو كانت تهتم بـ”الهللة” (البنس) على حساب “الريال” (الدولار)، بمعنى أنهم يهتمون بالتفاصيل الأصغر على حساب الصورة الكلية باستمرار.

ويرجع هذا إلى تحيز معرفي عام يرفض فيه الناس إعادة اختبار الافتراضات التي يعملون وفقًا لها كل فترة، حيث يميل الناس لتثبيت غالبية الصورة الذهنية وتغيير أجزاء صغيرة بما يجعله قادرًا باستمرار على التعامل مع المتغيرات بصورة أكثر فاعلية بدلًا من احتياجه لرسم صورة كاملة كل مرة.

كيف نواجه البجعة السوداء؟

في قيادة السيارة يمكنك التحكم في بعض الأشياء، مثل سرعة السيارة التي تقودها، وارتداؤك لحزام الأمان واختيار بعض الشوارع للوصول إلى وجهتك، والتركيز على القيادة وعدم الانشغال بالجوال وإمساك مقود السيارة بإحكام، ولكن هناك عشرات المتغيرات التي لا تستطيع التحكم فيها مثل سلوك السائقين الآخرين، وقواعد المرور، والتحويلات المرورية، واحتمال قيادة البعض تحت تأثير المخدرات والحوادث المفاجئة.

وفي سوق الأسهم يكون الأمر مشابهًا، فبوسعك التحكم في أي سهم متى تشتري ومتى تبيعه، وحجم الأموال التي تخاطر بها وإلى أي مدى تخاطر، ولكن أحدًا لا يستطيع تجنب تأثيرات مثل الحروب والأوبئة والانهيارات الاقتصادية وكلها عوامل خارجة عن سيطرة المتداول تمامًا.

وفي التعامل مع البجعة السوداء في سوق الأسهم هناك مدرستان؛ الأولى تقوم على ضرورة التنويع الكبير في الأصول مع ضرب البجعة السوداء للسوق، مع دراسة الأصول التي يتم الاستثمار فيها، والالتزام بقاعدة 1-5%،  أي عدم استثمار أكثر من 1-5% من إجمالي الأموال أو المحفظة في سهم واحد.

كما تنصح هذه المدرسة أيضًا بتحديد نطاقات سعرية واضحة لكل حركة، بمعنى أنه إذا تم شراء سهم بسعر 200 ريال فإن أقصى حركة يسمح بها الشخص هي 10% على سبيل المثال، فهو سيبيع السهم إذا انخفض عن 180 ريالًا وسيبيعه أيضًا إذا ارتفع عن 220 ريالًا.

وعلى الرغم من أن هذه المدرسة قد لا تحقق أرباحًا كبيرة، ولكنها أيضًا تتجنب الخسائر الكبيرة بفعل التنويع في الأصول وتجنب الاحتفاظ المطول بالأسهم في بيئة يصعب التنبؤ بها.

مدرسة أخرى

وفي المقابل هناك المدرسة الثانية، التي يقودها “وارين بافيت” والتي ترى في مثل هذا التنويع الكبير في الأسهم ما يسميه رئيس مجلس إدارة “بيركشير هاثاواي” “حماية من الجهل”، فالمستثمر الذي يلجأ لمثل هذا الخيار ليس لديه في واقع الأمر معرفة كافية بالسوق ولا بالأسهم التي يستثمر فيها لذا يلجأ لاحتمالات الربح والخسارة على حساب المعرفة بقواعد الاستثمار في الأسهم.

ويقول “بافيت” إنه يفضل الاستثمار في 3 أسهم “رائعة” في وقت الأزمات، عن الاستثمار في 50 سهمًا “جيدة أو متوسطة”.

وبشكل عام فبينما يشعر معظم المستثمرين بالذعر مع انخفاض أسعار الأصول، فإن أولئك الذين يتمتعون بالهدوء قادرون على رؤية الأسعار المنخفضة الناتجة كفرصة شراء؛ شراء الأصول من هؤلاء الأفراد المضطربين بدافع الخوف يشبه شراء أسهم عليها “تخفيض”.

وذلك لأنه في كثير من الأحيان يقود الخوف أسعار الأصول إلى ما دون قيمها الأساسية أو الجوهرية، ولا شك أن الخوف يظهر بشدة في وقت البجعة السوداء؛ لأنها تضرب بشكل غير متوقع، ويربح المستثمرون الصبورون الذين يسمحون للأسعار بالعودة إلى مستوياتها المتوقعة، ولذلك يتطلب الربح من الاستثمار في أزمة الانضباط والصبر وبالطبع ثروة كافية من الأصول السائلة المتاحة للقيام بعمليات شراء آنية.

ومع أزمات البجعة السوداء نتذكر تعريف “مارك توين” للشجاعة بأنها “مقاومة الخوف أو التغلب عليه وليس غياب الخوف تمامًا”، لذا فإن حدثًا مفاجئًا من المنطقي أن يصيب المتعاملين في الأسواق بالربكة ولكن السؤال دائمًا في كيفية التعامل مع هذا الارتباك.

 

 

المصادر: أرقام، بيهيفريال أيكونوميكس، ايوكونوميست، فورين بوليسي، فورتشن، محاضرات وارين بافيت في جامعة “فيرجينيا”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق