أخبار العالمأخبار عاجلةمقالاتمقالات وأراء

“كريدي سويس” ليس على وشك الانهيار

كتب أسامة صالح

يعيش بنك “كريدي سويس” في موقف صعب للغاية حالياً… إلا أنه “ليس على وشك الانهيار” كما صوّر نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي المذعورين خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي.

لكن رغم هذا، فالبنك السويسري يمر الآن في أحلك ساعات حياته وأسوأ فتراته على الإطلاق، وذلك في الوقت الذي تعاني فيه الأسواق من التقلب، ويشعر الجميع بالتوتر مما قد يحدث حولهم. مع ذلك، فالسيناريو الأرجح حدوثاً هو تخييب البنك للتوقعات بدلاً من وقوع كارثة.

تزداد شروط الصفقات سوءاً في الأسواق المالية لجميع اللاعبين. فهذه حقبة جديدة من التقلبات الأكثر ارتفاعاً، والتي تأتي في ظل رفع صانعي السياسة أسعار الفائدة بهدف مكافحة التضخم، مما يؤدي إلى زيادة تكاليف ومخاطر التداول.

وهذا هو الوقت الذي يمكن فيه للخطوات الخاطئة من قبل السياسيين أو البنوك المركزية أن تكشف فجأة عن مستويات مفاجئة للمخاطر، وأبرز مثال على ذلك هو التعقيد الذي وقع الأسبوع الماضي بين سوق السندات الحكومية وصناديق التقاعد في المملكة المتحدة.

لسوء حظ “كريدي سويس” فإن هذا سيشجع الشركات والمستثمرين والمدخرين على إجراء مزيد من الأعمال في البنوك ذات الميزانيات العمومية الأقوى، ونماذج الأعمال الأكثر استقراراً، مما يجعل سرعة التصرف أمراً حاسماً بالنسبة لأكسل ليمان، رئيس مجلس إدارة “كريدي سويس”، حتى يكمل المراجعة الاستراتيجية للبنك، ويبدأ إعادة الهيكلة.

ومن أحد الجوانب يمكن القول إن البنك السويسري يعاني من نفس المشكلات التي يواجهها أقرانه لكن بحجم أكبر. إلا أن انهيار سعر أسهمه، والارتفاع الحاد في تكلفة شراء التأمين على سنداته يجعلان تعافيه من الأزمة أكثر صعوبة. وما يزال هناك 3 أسابيع أخرى حتى يأتي موعد إخبار المستثمرين عن الكيفية التي سيقلص بها حجم بنك الاستثمار حتى يركز أكثر على إدارة الثروات.

يمتلك البنك رأس مال أكثر من كافٍ لإدارة أعماله. لكنه فقط لا يحقق عوائد جيدة بما فيه الكفاية. لتغيير هذه الصورة بسرعة، يحتاج “كريدي سويس” إلى سيولة لدفع تكاليف إعادة الهيكلة، ويقدر المحللون أن البنك بمقدوره جمع 4 مليارات دولار من خلال مبيعات الأصول أو زيادة رأس المال.

لكن دون هذه الأموال، ستقل قدرته على التغيير، ويطول أمد مشكلاته. وكلما بدا البنك أضعف؛ زادت تكلفة جمع أي أموال؛ وتفاقمت حدة الضغوط المُلقاة عليه من قبل المشترين المحتملين لأي من أصوله. فالأسواق تتغذى على اليأس، ويظهر أقل عدد من الأصدقاء عندما تكون في أمس الحاجة إليهم.

لكن هذه مشكلة تدهور نسبي، وليست قصة انهيار أحد البنوك أو أزمة تهدد استمراره. ذلك الأمر معروف جيداً للمستثمرين والمحللين الذين يتابعون “كريدي سويس” ولكن ليس للكثير في السوق الأوسع. وهذا هو السبب في أن الارتفاع الحاد بتكلفة التحوط ضد التخلف عن سداد سندات “كريدي سويس” بأسواق المشتقات أثار مخاوف بعض المتخصصين الماليين، وكذلك نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

نشرت صحيفة “فاينانشيال تايمز” أن كبار المسؤولين التنفيذيين في “كريدي سويس” أمضوا وقتاً في طمأنة العملاء والأطراف المقابلة خلال عطلة نهاية الأسبوع بشأن قوة ميزانية البنك العمومية.

وفي الولايات المتحدة، بدأ بعض المستثمرين في القلق بشأن تفشي العدوى في النظام المصرفي هناك، والتي قد تنتقل بسبب المشكلات التي يعاني منها بنك أوروبي كبير.

يساور المستثمرون والمتداولون القلق لأن تكلفة التحوط ضد تعثر ديون البنوك باستخدام مقايضات التخلف عن السداد آخذة في الارتفاع في كل مكان. بدأ البعض في رؤية نذير فشل البنوك، لكن هذه إشارة خاطئة، إذ يرجع جزء كبير من هذا الارتفاع إلى كيفية إدارة البنوك لمخاطر التداول مع بعضها البعض – وكيفية إدارة عملائها أيضاً لتلك المخاطر.

فعندما تُجري البنوك تداولات بين بعضها البعض، يكون هناك دائماً خطر فشل أحدها في الوفاء بجانبه من الصفقة، وهذا ما يسمى بـ”مخاطر ائتمان الأطراف المقابلة”.

ويعتبر عالم المشتقات التي لا يتم تداولها في البورصة أو من خلال غرفة المقاصة أحد أكبر مصادر مخاطر الطرف المقابل. وفي هذه الحالة لا يعتمد مقدار المشاركة على حجم الصفقة الخاص بك وحسب، وإنما أيضاً مدى تقلب السوق الأساسية.

وغالباً ما يعني التقلب الشديد تزايد حجم وعدد نداءات الضمانات، مثلما ظهر في قطاع المعاشات التقاعدية بالمملكة المتحدة الأسبوع الماضي.

تحتاج البنوك وعملائها أيضاً إلى تقييم القوة المالية لشركائهم التجاريين أثناء عملهم على تحديد المخاطر التي يتسمون بها، وبسبب انهيار سعر سهم “كريدي سويس” يبدو البنك أكثر خطورة من بعض المنافسين. هذه مشكلة حقيقية لأنها تجعل البنك طرفاً مقابلاً أكثر تكلفة وأقل تنافسية.

لقد مر “دويتشه بنك” بأزمة مشابهة في الأشهر الأخيرة من 2016، عندما كانت قاعدته الرأسمالية ضعيفة وواجه غرامة محتملة من السلطات الأميركية قد تهدد استمراره. لم يكن “كريدي سويس” في حالة يرثى لها كما كان “دويتشه بنك” آنذاك، لكن خسارة الإيرادات ستظل موجعة رغم ذلك.

هناك فارق بسيط آخر جدير بالملاحظة، والذي يفسر سبب كون العناوين الرئيسية حول “كريدي سويس” أسوأ من الواقع. فبدون الاستغراق في شرح الجوانب الفنية، يمكن القول إن العديد من البنوك الأوروبية لديها نوعان من مقايضات التخلف عن السداد التي تشير إلى الديون الممتازة (ذات الأفضلية)، أحدهما أكثر خطورة وأقل تداولاً على نطاق واسع من الآخر.

يظهر هذا النوعان لأن الدائنين المختلفين يواجهون تفرقة في المعاملة بموجب قواعد تسوية البنك، فمن المرجح استعادة المودعين والأطراف المقابلة من أصحاب المشتقات المالية لأموالهم إذا تدهورت أحوال البنك أكثر من حملة السندات.

لاختصار هذه القصة وتبسيطها إلى حد ما، يمكن القول إن هناك نوع من مقايضات مخاطر الائتمان مخصص لأصحاب السندات الممتازة، ونوع آخر أقل خطورة للأطراف المقابلة. وغالباً ما يكون النوع الأول أكثر تقلباً، والثاني أكثر أهمية للقدرة التنافسية والإيرادات.

بالنسبة لحالة “كريدي سويس”، فأن النوع الأكثر تقلباً وخطورة هو الذي أصبح أكثر جموحاً في الأيام الأخيرة، وأصبحت بياناته مثار اهتمام النشطاء الذين يسارعون للتشهير بأي تراجع سوقي على موقع “تويتر”.

وما تزال تقديرات “كريدي سويس” كطرف مقابل أعلى خطورة من “دويتشة بنك” أو “باركليز”، على سبيل المثال، لكنه ليس مهدداً بالانهيار حالياً. وإنما يعيش في وضع غير موات للأعمال، ويواجه عقبة أخرى أمام إعادة هيكلته.

لم تقع أي أحداث مفيدة في الأسواق أو يعلن البنك عن أي شيء إيجابي منذ نشره مراجعته في الصيف الماضي. كما أن أحوال الأسواق المالية لا تساعده، وكلما أسرع مجلس إدارة البنك في إتمام خطته الاستراتيجية وإنهاء حالة عدم اليقين؛ صب ذلك في صالحه بصورة أكبر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق