أخبار العالمأخبار عاجلةأخبار كورونا حول العالم

كوفيد يصيب صناعة السيارات الألمانية بنزيف وظائف حاد

تحت سماء ملبدة بالغيوم، رجل يحمل منجلا ويرتدي زي حاصد الأرواح قاد مئات المتظاهرين الملثمين خارج بوابات أحد أقدم مواقع التصنيع في ألمانيا في مدينة نورمبرج في بافاريا.

في ما أطلقت عليه النقابات المحلية “إعلان الحرب”، أعلنت مجموعة مان المملوكة لشركة فولكسفاجن الشهر الماضي أنها ستلغي 9500 وظيفة، أي أكثر من ربع قوتها العاملة، وتفكر في إغلاق مواقع إنتاج في أنحاء ألمانيا والنمسا.

بعد فصل الصيف الذي ظلت فيه صناعة السيارات في البلاد في حالة إنعاش معلق، الموظفون المحتجون في مصنع مان للشاحنات والحافلات في نورمبرج أصبحوا من بين عشرات الآلاف من الموظفين في القطاع المهم استراتيجيا، الذين تتعرض وظائفهم للخطر.

تدعم صناعة السيارات الألمانية أكثر من مليوني وظيفة محلية وتشكل بطريقة مباشرة أكثر من 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وهي تتركز في ولايات بافاريا وبادن فورتمبيرج وساكسونيا السفلى، التي من المرجح أن تعاني اقتصاداتها أكثر نتيجة محاولات مصنعي السيارات خفض التكاليف.

بالنسبة لنورمبرج، التخفيضات المقترحة للوظائف “ستكون كارثة”، كما قال ماركوس وانش، رئيس مجلس الأشغال في موقع مان في المدينة، حيث يتم تصنيع المحركات وقطع غيار المركبات منذ أكثر من 150 عاما، ولا يزال الموقع يوظف أكثر من أربعة آلاف شخص من بين نحو 400 ألف من السكان العاملين.

أصبحت المنطقة الأوسع في شمال بافاريا هي المركز الأولي للأزمة، حيث تحاول الصناعة الأساسية في ألمانيا خفض تكاليف الموظفين بشكل كبير في سوقها المحلية. تأتي التخفيضات في الوظائف على الرغم من حقيقة أن الشركات سجلت ملايين العمال في مخطط الإجازات في البلاد.

في الأسابيع القليلة الماضية، قالت شركة كونتيننتال لتوريد قطع الغيار إن عشرة آلاف وظيفة أخرى “معرضة للخطر” في جميع أنحاء الشركة، بما في ذلك في مواقع في بافاريا، إضافة إلى 20 ألف وظيفة تم الإعلان عن شطبها العام الماضي، بينما قالت مجموعة المكونات Mahle إن لديها “طاقة عالمية زائدة مقدارها 7600 وظيفة وقد تخفض ما لا يقل عن ألفي وظيفة في ألمانيا، بما في ذلك إغلاق بعض المصانع.
شركة التوريد، شايفلر، المملوكة لإحدى العائلات، التي يقع مقرها الرئيس على بعد 20 كيلو مترا شمال نورمبرج، تخطط لتسريح 4400 موظف، معظمهم في ألمانيا. من المتوقع أيضا فقدان مزيد من الوظائف في شركة BMW ـ مقرها ميونيخ ـ إضافة إلى ستة آلاف وظيفة تم الإعلان عنها من قبل.

قالت شركة مان: “صناعتنا في المراحل الأولى من تغيير جوهري”، مستشهدة بالتحول التكنولوجي المكلف من محركات الاحتراق إلى السيارات التي تعمل بالكهرباء والهيدروجين.

إلى جانب هذا التحول، يعاني اقتصاد السيارات في ألمانيا انكماشا سريعا في سوق السيارات العالمية، التي من المتوقع أن تنكمش بمقدار الخمس هذا العام، وفقا لوكالة موديز للتصنيف الائتماني.

حذر إلمار ديجنهارت، الرئيس التنفيذي لشركة كونتيننتال، قائلا: “بعد نحو عقد من النمو السريع والمربح وتوسع القوى العاملة”، بات القطاع على وشك أن يواجه أشد أزماته منذ الحرب العالمية الثانية، ولن يعود إلى مستويات الإنتاج التي بلغها في عام الذروة، 2017، حتى 2025.

تضاءلت الأهمية النسبية للتصنيع الأوروبي بسبب جائحة فيروس كورونا. منذ وصول الفيروس إلى أوروبا انخفضت أحجام مبيعات السيارات في جميع أنحاء القارة بشكل عجيب، لكنها ظلت مستقرة نسبيا في آسيا.

في آب (أغسطس)، كانت مبيعات السيارات في الاتحاد الأوروبي أقل 18 في المائة عن الشهر نفسه من العام الماضي، وفقا لتحليل أجراه بنك يو بي إس، لكنها ارتفعت 9 في المائة تقريبا على أساس سنوي في الصين، حيث تولد شركات صناعة السيارات الألمانية الحصة الأكبر من إيراداتها.

كلاوس روزنفيلد، الرئيس التنفيذي لشركة شايفلر، قال لـ”فاينانشيال تايمز”: “عندما تكون لديك قاعدة عملاء واسعة وعالمية، يصبح توطين الإنتاج أكثر أهمية باستمرار. في الماضي، معظم التخفيضات التي أجريناها كانت في الغالب خارج ألمانيا، والآن نتعامل مع الوضع في ألمانيا”.

تقول IG Metall، النقابة القوية التي تمثل الجزء الأكبر من عمال السيارات في البلاد البالغ عددهم 800 ألف، إن شركات مثل شايفلر تستخدم الأزمة فقط ذريعة لتعظيم الأرباح.

لكن الهوامش في شركة توريد مكونات السيارات تقلصت خلال الأعوام القليلة الماضية، ويرجع ذلك جزئيا إلى استثمارات مكلفة في البحث والتطوير.
التحول إلى النقل الأنظف سيوفر وظائف، لكن المستفيد الرئيس يمكن أن يكون الدول التي لديها قوة عاملة أصغر سنا وأقل تكلفة وذات تعليم جيد بالقدر نفسه.

في محاولة لتمتين اقتصادها في المستقبل، سارعت نورمبرج إلى إنشاء جامعة تقنية جديدة في قلب منطقتها الصناعية لتعليم نحو 6500 طالب سنويا. كما تم إنشاء مركز لتطوير الهيدروجين تموله الولاية.
ماركوس كونيج، عمدة نورمبرج وهو عضو في الاتحاد الاجتماعي المسيحي ـ حزب شقيق لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي تتزعمه أنجيلا ميركل ـ قال خارج مصنع مان خلال الاحتجاج: “نحن في أزمة”.

أضاف: “لكن الاقتصاد سيرتفع مرة أخرى، وستكون هناك خطوط إنتاج جديدة تحتاج إلى موظفين. يجب أن نكون قادرين على إبقاء الناس هنا في المدينة حتى نتمكن من الخروج من الأزمة”.

دفعت موجة فقدان الوظائف الوشيكة في صناعة السيارات رئيس الوزراء البافاري، ماركوس سودر، وهو مرشح محتمل لخلافة أنجيلا ميركل في رئاسة الكتلة المحافظة في ألمانيا، إلى تجديد دعواته للحصول على إعانات لدعم مشتريات الشركات والأفراد لسيارات محركات الاحتراق الجديدة وتحديث الأساطيل التجارية – وهو طلب تم رفضه مرارا وتكرارا في برلين.

أرمين لاشيت، رئيس وزراء ولاية نورث راين فيستفاليا، وهو منافس آخر على قيادة الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي، انضم إلى المعركة الأسبوع الماضي، وانتقد خطط إعادة الهيكلة في كونتيننتال باعتبارها “شكلا من أشكال الرأسمالية الباردة التي لا تتوافق مع اقتصاد السوق الاجتماعية لدينا”.

لكن مصير العمال في صناعة السيارات سيعتمد بشكل أكبر على مدى نجاح أنموذج ألمانيا في القرار المشترك – إشراك الموظفين والنقابات في حوكمة الشركات – في الصمود أمام القوتين التوأم، جائحة كوفيد – 19 والتحول الأساسي لأهم قطاع صناعي فيها.

قال مارتن، وهو فني يبلغ من العمر 60 عاما يعمل في إصلاح محركات الديزل في مصنع نورمبرج ويعمل لصالح شركة مان منذ 1992: “نحتاج إلى مجلس أشغال قوي يمكنه مقاومة التخفيضات الإدارية. لقد نجح هذا لعقود، وآمل أن يستمر في ذلك”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق