أخبار العالمأخبار عاجلةاقتصاد وأعمالمنوعات

كيف يبدو جيل المستقبل من الشركات الناشئة الفلسطينية؟

احتفلت البيئة الريادية الفلسطينية للشركات الناشئة الشهر المنصرم بنجاح الريادي الفلسطيني الملهم – أحمد رمحي، المؤسس المشارك والمدير التنفيذي لشركة وي ديليفر (WeDeliver)، وهي شركة خدمات لوجستية للشركات ومزودة حلول التوصيل للمستخدم النهائي والتي تمكنت من إغلاق أولى جولاتها الاستثمارية (Pre-Seed Round) بقيمة 2.4 مليون دولار أمريكي خلال خطوة جمع التمويل عبر مستثمرين سعوديين مهمين. نجاح أحمد رمحي دلالة واضحة على قوة الثبات والمرونة في تحويل التحديات والصعاب إلى فرص واعدة. استطاعت وي ديليفر التغلب على تحديات البيئة الحاضنة الصغيرة والمجزأة من خلال توسعة مجال عملها خارج حدود السوق الفلسطيني وتأسيس حضور قوي في السوق السعودي الأكثر تطوراً وسريع التغير. مما لا يدعو للمفاجأة، فقد ساهم توسع وي ديليفر من سوق الرياض في الرقي بخدمات الشركة بثقة والوصول إلى فئات جديدة من الزبائن، الشركاء ومصادر التمويل.

 

في مقال سابق، حاولت الإجابة عن سؤال “هل تملك فلسطين شركات ناشئة جاهزة لمرحلة الاستثمار؟”. نجاح شركة وي ديليفر الأخير في جمع استثمارات محليةٍ ودُوَلية يدعو للتفاؤل ويساعد حتماً في الإجابة على هذا التساؤل، كما يوفر خريطة طريق لمؤسسين فلسطينيين آخرين مستقبلاً. في الواقع، يجب على كل شركة ريادية أن تتمكن من رسم طريقها الخاص للنمو؛ إذ لا يوجد ما يسمى باستراتيجية “مقاس واحد يناسب الجميع” للنجاح في ريادة الأعمال. مع ذلك، فإن تجربة شركة وي ديليفر يمكنها أن تلهمنا لنتعلم من رحلتهم التي تثبت أنّ الرياديين الفلسطينيين الذين يطمحون لبناء شركات ريادية قوية وقابلة للتوسع عليهم التركيز على ثلاثة عوامل رئيسية – الاندماج في إقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بناء نموذج عمل مرن، وإيصال أثر اقتصادي-مجتمعي.

 

الاندماج في أوساط إقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

 

شهد مجال الشركات الريادية في إقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تطورات كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية. قصص نجاح الشركات الريادية الناشئة مثل استحواذ شركة أوبر على شركة كريم مقابل مبلغ 3.1 مليار دولار أمريكي عام 2019، والإدراج العام لأنغامي على بورصة ناسداك الأمريكية خلال هذا العام قد أثارت اهتماماً أكبر بالمنطقة، ألهمت ابتكاراتٍ أكثر مخاطرة وحفّزت تغييراتٍ تشريعية إيجابية. بناء على المؤشرات الإقليمية الأخيرة، استثمارات رأس المال المخاطِر في إقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سجلت زيادةً بنسبة 64% في القواعد السنوية خلال النصف الأول من عام 2021 ؛ حيث كانت 31% من الاستثمارات المقدمة من مستثمرين دُوَليين. كما أن شهر تموز عام 2021 حطم رقماً قياسياً بالنسبة للبيئة الريادية الإقليمية، حيث أن الشركات الناشئة المتأصلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا جمعت ما يقارب 632 مليون دولار عبر 77 صفقة. من المتوقع أن تستمر هذه الوتيرة وأننا سنرى شركات ملهمة ومبتكرة أكثر تظهر من المنطقة.

 

بالنسبة لبيئة رياديّة صغيرة ومجزأة مثل البيئة الفلسطينية، من الضروري استغلال الفرص الإقليمية للتغلب على تحديات التوسع. في الواقع، فإنّ الاندماج في الأنظمة الريادية في المناطق المحيطة يمكن أن يتيح للشركات الفلسطينية الناشئة الوصول إلى بُنى تحتية متقدمة أكثر تكنولوجيّاً بالإضافة إلى شبكات جديدة من الزبائن، المستثمرين وأنظمة الدعم. لا شك في أن نجاح وي ديليفر في إتمام مرحلة الاستثمار السابق للتأسيس (Pre-Seed) البالغ 2.4 مليون دولار أمريكي خلال سنتها الأولى من العمل في السوق السعودي يثبت أن الاندماج القوي في إقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يمكن أن يوفر طريقاً واضحاً وفعّالاً للتوسع والنمو. وبناءً على ذلك، فإنه من الضروري أن يراقب المؤسسون الفلسطينيون محاور الشركات الناشئة الكبيرة في المنطقة عن كثب (بتركيز خاص على الإمارات العربية المتحدة، السعودية ومصر) وأن يشملوا فكرة التوسع في المناطق المجاورة في خططهم الإدارية واستراتيجيات التوسع باكراً. أؤمن بجِد أنّ هذه الخطوة يمكن أن تكون استراتيجية تقلب الموازين وستفتح أبواباً جديدة للشركات الناشئة المتأصلة في فلسطين لتنطلق من الصفر إلى النجاح خلال إطار زمني معقول أكثر.

 

المرونة كميّزة تنافسية

 

بالنسبة لأغلب الفلسطينيين، تحمل كلمة “المرونة” معنىً عميقاً ومقدساً. فهي ببساطة تعني القدرة على العمل تحت الضغط وإنجازٍ أكبر بموارد أقل والخروج من الفشل أقوى مما قبل. بصراحة، إن الميّزات التي على الفلسطينيين تطويرها بشكل طبيعي نتيجة العيش في ظروف الاحتلال الاسرائيليّ تعدّ من أهم السمات التي يجب على أي رياديّ أن يمتلكها كي ينجح في مسيرته الريادية. كما يقولون، فإن حياة الرياديّ تشبه لعبة الأفعوانية بانحناءاتها المتعددة التي تشبه العقبات الكثيرة التي يجب أن يتخطاها الرياديين قبل الوصول إلى النجاح المطلق.

 

في السنوات الأخيرة، أصبح هناك تركيز متزايد على أن الرياديين المرنين هم الأكثر قدرة على تحويل التحديات إلى فرصٍ واعدة وبناء نماذج عمل “مرنة” يمكنها الصمود في وجه مصاعب الزمن. ليس هناك شك بأنه بالإضافة إلى مهاراتهم المميزة، فإن الرياديين الفلسطينيين لديهم الحمض النووي للمرونة (Resilience DNA) والذي يمكِّنهم من التغلب على التحديات بنجاح وبالنهاية ترجمة الصعاب إلى فرص مجزية. في الواقع، كونهم مرنين في حياتهم اليومية، يمكن للرياديين الفلسطينيين تطبيق نفس المبادئ عند إطلاقهم شركات ناشئة جديدة حيث أنّهم ليسوا فقط على استعدادٍ لأخذ المخاطرة، بل هم أيضاً قادرون على بناء نماذج عمل ذكية يمكنها أن تتحمل ظروفاً قاسية جداً وتنمو بالرغم من كل التوقعات عكس ذلك. لاحظ العديدون أن أحمد رمحي قد طبق هو وشركاؤه المؤسسون هذه المبادئ تماماً عند إطلاقهم شركة وي ديليفر في فلسطين حيث قاموا ببناء نموذج عمل مبني على قلة الممتلكات ومُمَكَّن بالتكنولوجيا والذي تجاوب مع تحديات جدارة الثقة وفعالية التكاليف في التوصيل للمستخدم النهائي، وذلك من خلال استغلال أسطول من السائقين المستقلين والذي مكّن المشاريع الصغيرة والمؤسسات من إطلاق وموازنة خدمات توصيل فعالة خلال اليوم ذاته.

 

إحداث الأثر هو المقياس الجديد

 

استناداً لبيانات شبكة الاستثمار المؤثر العالمية (GIIN)، فإنّ حجم السوق الكامل للاستثمارات المؤثرة قُدِّر بحوالي 715 مليار دولار أمريكي في الموجودات تحت الإدارة والتي تديرها أكثر من 1750 مؤسسة. الاستثمار المؤثر (Impact Investing) يشير إلى الاستثمارات التي تهدف إلى توليد أثر اجتماعي، بيئي واقتصادي إيجابي قابل للقياس بالاضافة إلى عائد مالي قوي. من المهم الإشارة إلى أن القطاع قد شهد نمواً متسارعاً على مدار العقد الماضي حيث نسمع باستمرار عن استثمارات ضخمة من قبل صناديق استثمار مؤثِّر عالمية ومُتنفِّذة مثل شركة (Leapfrog) للاستثمار وصندوق (Omidyar Network). في الواقع، فإن ثورة الأثر قد تم تحفيزها بشكل أساسي من قبل جيل الألفية الذين قاموا بالضغط على صنّاع القرار وكذلك على مُلّاك الأصول الخاصة ومديري الصناديق لمساعدتهم في مواجهة التحديات المجتمعية والبيئية والمساهمة في الحفاظ على سلامة الأجيال القادمة. بالإضافة إلى ذلك، فقد أثبت القطاع أنّ بإمكانه توليد عوائد إيجابية بمعدل عوائد السوق وأنّه كنتيجةٍ لذلك حصد اهتماماً ودعماً من أطياف متنوعة من مديري الأصول بما فيهم صناديق التقاعد، مؤسسات التمويل وأخيراً وليس آخراً الأسهم الخاصة وصناديق رأس المال المخاطِر.

 

قد قيل من قبل مراتٍ عديدة أن إقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هو موطن لقائمة طويلة من التحديات المعقدة مثل الاضطراب السياسي وعدم الاستقرار، الإدارة غير الحكيمة للموارد، نسب البطالة العالية للشباب وانعدام أساس قوي للبحث والتطوير. وبالرغم من كل ذلك، فإن الشركات الناشئة بما تملكه من أفكار ريادية ونماذج عمل متطورة يمكنها أن توفر حلولاً للعديد من التحديات التي تواجه المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، يوفر نمو قطاع الاستثمار المؤثِّر فرصةً غير مسبوقة للرياديين في المنطقة لإدراج الأثر في صميم نماذج العمل الخاصة بهم. ليس من المفاجئ إذاً أن نرى أنّ أكبر حصة من الاستثمارات الأخيرة في الشركات الناشئة في إقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كانت من نصيب الشركات المؤثِّرة التي تدار في قطاعات ناشئة مثل التكنولوجيا الغذائية، قطاع الحركة والنقل، تكنولوجيا التعليم والتكنولوجيا الصحية. أؤمن بصدق أنّ هذه القطاعات هي ضمن تلك التي ستشكل المستقبل وتساعد في خلق المزيد من الازدهار والاستدامة والفرص لملايين الأشخاص في المنطقة.

 

بما يتوافق مع ما تم ذكره سابقاًّ يمكننا القول أنّ وي ديليفر قد ضمّنت الأثر في نموذج عملها بشكل غير مباشر، حيث أنّ الشركة تسعى لأكثر من مجرد تحسين تجربة التوصيل للمستخدم النهائي بالنسبة للأعمال الصغيرة والمؤسسات، فهي أيضاً تساعد في توفير فرص عمل لمئات العاملين الذين انضموا إلى أسطول الشركة المتنامي من السائقين. في النهاية، التركيز على إيصال أثرٍ إيجابيّ يمكن أن يُمَكِّن الشركات الناشئة من ابتكار حلولٍ قابلةٍ للتوسعة والتي يمكن تسخيرها لمواجهة التحديات التنموية في المنطقة وفي الوقت نفسه الحصول على عائدات مادية مربحة لصالح المؤسسين والمستثمرين على حد سواء.

 

شركات ناشئة مرنة ومؤثرة ومندمجة إقليمياً

 

أول كتاب على لائحة القراءة لديّ لسنة 2021 كان كتاباً ملهماً للغاية عنوانه “الابتكار خارج إطاره: كيف يعيد الرياديون حول العالم من دلهي حتى ديترويت كتابة قوانين وادي السيليكون”.  كتب المؤلف ألكسندر لازارو (Alexandre Lazarow) هذا الكتاب استناداً لتجربته كصاحب رأس مال مُخاطِر ومستثمرٍ في الشركات الناشئة في وادي السيليكون وفي أنظمة بيئية صاعدة للشركات الناشئة والتي وصفها بالمناطق الحدودية (Frontier Ecosystems). بشكل أدق، فإن الكتاب يلقي الضوء على المبتكرين خارج الحدود المتعارف عليها والذين يعملون في بيئات رياديّة للشركات الناشئة أقل تطوراً خارج حدود وادي السيليكون، حيث يُضطر المؤسسون للتعامل مع عدد من التحديات السياسية، الاقتصادية، الثقافية والمتعلقة بالبنية التحتية. على عكس الوضع في السليكون فالي حيث يتوفر لمؤسسي الشركات الناشئة مقومات الوصول إلى مصادر التمويل ورأس المال المخاطِر، بيئة داعمة قانونياً، ومخزون مواهب ذو مهاراتٍ وخبراتٍ عالية؛ فإن المؤسسين في البيئات الريادية في المناطق الحدودية يميلون إلى كونهم مبتكرين حيث يبنون قطاعات لا وجود لها بدلاً من أن يكونوا مؤثرين في قطاعات موجودة، كونه لا يوجد عدد كبير من الأعمال التجارية التي يمكن إحداث تغيير فيها في الأصل. وكنتيجة لذلك، فإن الرياديين في المناطق الحدودية يميلون إلى التركيز على المرونة، الاستدامة وإحداث الأثر بدلاً من استراتيجيات النمو الخيالي.

 

استناداً لخبرتي ومعرفتي بالبيئة الحاضنة للشركات الناشئة الفلسطينية، أؤمن بأنّ فلسطين في الموقع المثاليّ لتُخرج الجيل القادم من المبتكرين الذي يصفه لازارو في كتابه – رياديون مرنون يبنون شركات ناشئة متكاملة إقليمياً منذ بدايتها ويركزون على معالجة التحديات المجتمعية والاقتصادية ويعملون لإيصال أثرٍ مُستدام لحياة المجتمعات عبر المنطقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق