أخبار العالمأخبار عاجلةأسواق الأسهماقتصاد وأعمال

من 7 أيام أسبوعياً إلى 4 فقط .. كيف تغيرت بيئة العمل في قرنين من الزمن؟

قبل 135 عاما، لو ذهبت وقلت لأحد المشاركين في المظاهرات العمالية في قلب شيكاغو الأمريكية إنه سيأتي وقت وتصبح أيام العمل أربعة فقط، ربما ظنك مجنوناً، في ذلك الوقت كان الطبيعي أن تعمل طوال أيام الأسبوع لأكثر من 12 – 16 ساعة يوميا، أربعة عمال في تلك المظاهرات لقوا حتفهم وأكثر من 150 أصيبوا برصاص الشرطة، وكانوا مطالبين فقط بحقهم في 8 ساعات عمل في ستة أيام أسبوعياً.

ومنذ ذلك الحين أصبح عيد العمال يوم الأول من مايو في كل عام، لكن قبل انهيار الاتحاد السوفيتي كان هذا التاريخ يوما غير عادي للدول الاشتراكية، ولم يكن يقتصر على العطلة الرسمية والراحة والاستجمام، بل يشتمل على فعاليات حاشدة للتعبير عن مقتهم للرأسمالية وتحيزهم وتقديرهم لكفاح العمال.

أهم المحطات في رحلة العمال والموظفين 1593 – 1926

1593

ملك إسبانيا يصدر أول قانون بتحديد عدد ساعات العمل اليومية بـ 8 ساعات.

1817

رجل الأعمال البريطاني “روبرت أوين” يقود حملة تحت شعار “8 ساعات عمل، 8 ساعات إبداع، 8 ساعات راحة”.

1820

في فيلادلفيا الأمريكية يتم تأسيس أول جريدة وحزب واتحاد نقابي للتعبير عن الطبقة العاملة والعمال في الولايات المتحدة.

1833

أول قانون بريطاني يُلزم أصحاب المصانع بعدم تشغيل الأطفال من سن 13 – 17 عاما أكثر من 12 ساعة ومن سن 9 – 12 عاما أكثر من 8 ساعات.

1848

بعد ثورة فبراير في فرنسا، العمال يحصلون على الحق في عدم العمل لأكثر من 12 ساعة عمل.

1874

أول قانون أمريكي يُلزم أصحاب الأعمال بعدم تجاوز سقف 10 ساعات عمل في ولاية ماساتشوستس.

1886

إضرابات ومظاهرات واعتصامات حاشدة ضمت 200 إلى 300 ألف عامل في المصانع والشركات الأمريكية، بعد ذلك بثلاث سنوات يتم اختيار تاريخ الأول من مايو عيداً للعمال حول العالم.

1919

معاهدة “فيرساي” أول وثيقة عالمية تؤسس لمؤسسة دولية تختص بالعمال والعمل، لاحقا عُرفت باسم “منظمة العمل الدولية ILO“.

1926

صانع السيارات الأمريكي الشهير “هنري فورد” يبدأ مبادرة لـ 5 أيام عمل فقط، وتبعته 262 شركة كبرى في السوق الأمريكي.

لا وقت لالتقاط أنفاسك

لم يكن مفهوم العطلة أو الراحة موجودا قبل 200 أو 300 عام، فمع تفجر الثورة الصناعية في بريطانيا ثم باقي أوروبا والولايات المتحدة، حدث تحول جذري في الصناعة والأعمال والنشاط الاقتصادي والتجارة نتج عنه تحيز فج وظالم ضد العمال والموظفين لصالح أرباب العمل ورجال الأعمال والمستثمرين الملاك، حتى إن الوقت لالتقاط الأنفاس والراحة أو المرض لم يكن له أي وزن في بيئة العمل، وكانت كل حياتك تُفنى في ساعات العمل كي تستطيع إطعام نفسك وأسرتك وبالكاد تعيش.

العمال كانوا يقضون حوالي 70 ساعة أسبوعيا في المصانع قبل نحو 200 عام، وهذا يعني 41% من إجمالي ساعات الأسبوع، بينما انخفضت هذه النسبة في 1980 إلى 23%، وهو تحسن بمقدار 100% تقريباً خلال مدى زمني طويل للغاية، لكن هذا الهبوط في نسبة استحواذ العمل على حياة الموظف دفع الناس نحو استخدام الفائض من وقتهم في نشاطات أخرى.

توزيع وقت الموظف/العامل على مدار حياته من عمر الـ 17 حتى الـ 60 على ثلاث فترات زمنية (بالألف ساعة)

1880

1995

2040

العمل

182,100

122,400

75,900

الترفيه والنوم

43,800

176,100

246,000

أي أنشطة أخرى عدا العمل والترفيه والنوم

225,900

298,500

321,900

مكاسب مزدوجة

تخفيض أعداد الموظفين ومساحات العمل وكذلك تقليل أيام الحضور لمقر الشركة، كلها وسائل ترفع من معنويات العاملين والموظفين بلا شك، المعنويات الجيدة بدورها تؤدي إلى ارتفاع الإنتاجية فترتفع أرباح الشركة، وهذا هو التأثير على زيادة الإيرادات، ولكن هناك تأثير آخر مرتبط أيضاً بالأرباح، ولكن عبر تخفيض المصروفات.

العمل عن بعد وتخفيض الأعداد وأيام العمل يقللان من مصاريف الشركة المخصصة لسداد إيجار مكاتبها ونفقاتها المرتبطة بإدارة المكاتب، وبناءً على تقليل المساحات والمكاتب تحصل الشركات على مكاسب مزدوجة من رفع الإيراد عبر رفع معنويات موظفيها من ناحية ومن ناحية أخرى خفض المساحات المؤجرة وخفض المصروفات.

وبحسب إحصائية لـ”الإيكونوميست” عن قائمة أغلى مدن العالم من حيث تكلفة إيجار المباني الإدارية في 2019، جاءت “هونج كونج” في الصدارة، والتفاصيل يوضحها الرسم البياني التالي.

بسبب ارتفاع تكلفة الإيجار ومصاريف تخصيص هذه المساحة لكل موظف سنوياً، وبفضل انتشار فكرة “التباعد” خلال الجائحة، أصبحت العديد من الشركات تفكر في استخدام طابقين بدلاً من 5 و6 طوابق، أو في استخدام المكتب الإقليمي كمركز لعمليات المكاتب الفرعية الأخرى دون الحاجة لتأجير مقر فرعي في كل مدينة.

جدل عدد الساعات أم كمية الإنتاج؟

هذا الجدل استمر لقرون بين أصحاب الأعمال والعمال، هل العبرة بما يمكن أن يقوم بإنتاجه العامل أم بعدد الساعات التي قضاها داخل الشركة/المصنع/المكتب؟، وهذا الجدل لم يُحسم إلا قبل سنوات قليلة، والفضل في ذلك بالطبع لوسائل الاتصالات الحديثة، لكن الفضل الأكبر والقفزة الكبيرة كانت في عام الجائحة، التي دفعت أصحاب مدرسة “الإنتاجية أهم من عدد الساعات” للانتصار الكامل في هذا الجدل.

ليست كل الوظائف تصلح

على الرغم من الطفرة التي اتسمت بها مدرسة “التعليم عن بعد” بفضل الجائحة وقواعد التباعد الاجتماعي، لكن هذا لا يمكن أن ينطبق على كل الوظائف ولا في كل دول العالم، هناك بعض التخصصات يمكن أن تتسامح مع العمل من المكتب أو من المنزل والعمل 3 أيام أو 6 أيام، لكن هناك تخصصات أخرى لا تصلح معها هذه المرونة في تحديد الوقت والإنتاجية.

الوظائف التي تصلح للعمل عن بعد بحسب دراسة لمعهد أبحاث “بيكر فريدمان” في 2020:

1- بعض وظائف الحاسب الآلي.

 

2- بعض وظائف التعليم والتدريب.

 

3- بعض الوظائف القانونية والاستشارية.

 

4- بعض وظائف الاستثمار وسوق الأوراق المالية.

 

5- بعض وظائف الفن والتصميم والترفيه والرياضة والإعلام.

 

6- بعض وظائف الهندسة والديكور.

نسبة الوظائف التي يمكن تأديتها عن بعد من إجمالي الوظائف في عدد من دول العالم، دراسة بحثية لـ”دينجل” و”نايمان” يونيو 2020

نسبة الوظائف التي يمكن تأديتها عن بعد

نماذج من الدول التي تنطبق عليها النسبة

37 % إلى 53 % من الوظائف

بريطانيا

ألمانيا

السويد

فنلندا

الدنمارك

سويسرا

تشيلي

30 % إلى 37 % من الوظائف

الولايات المتحدة

باقي الاقتصادات الأوروبية

23 % إلى 30 % من الوظائف

البرازيل

الأرجنتين

مصر

الإمارات

تركيا

5 % إلى 15 % من الوظائف

كمبوديا

النيجر

أوغندا

ميانمار

بوليفيا

الإكوادور

إذن، ليست كل وظائف العالم تقبل المرونة في عدد الأيام أو عدد الساعات أو العمل من المقر مقابل العمل من المنزل، قد يكون هذا النمط من العمل عن بعد مناسباً للتخصصات التي أصبحت أشبه باتجاه عالمي متنامٍ: ريادة الأعمال والصناعات المرتبطة والمغذية مثل التصميم والبرمجة والحوسبة السحابية، لكن في تخصصات أخرى مثل تصنيع السيارات، تشغيل المطارات، تطبيق القانون ومنع الجريمة، فلا يمكن بأي حال من الأحوال تصور أن هذه الوظائف يمكن تأديتها عن بعد أو بالتوقف عن تقديم الخدمات لـ 3 أيام وتقديمها باقي أيام الأسبوع.

اتجاه 4 أيام عمل فقط

ظهر اتجاه جديد يتزعمه الكاتب ورجل الأعمال النيوزيلندي “أندرو بارنز” مالك شركة perpetual Guardian للاستشارات القانونية وصاحب كتاب “4 أيام عمل – كيف يمكن لمرونة العمل أن تزيد الربحية والإنتاجية وجودة الحياة وتبني مستقبلاً أكثر استدامة” في منتصف 2019.

أسس “بارنز” لنظام عمل يقضي بتحديد أيام العطلات وفقاً لظروف كل موظف بالتنسيق مع زملائه ما دام العمل مستمراً وغير معطل، كذلك قرر في 2019 دفع 100% من الراتب والمكافآت مقابل أيام عمل أقل بـ 20% ما دامت الإنتاجية 100%، وهو نفس الأمر الذي أعلنت عن تطبيقه بشكل تجريبي حكومة اسكتلندا مؤخراً.

لكن ربما طبيعة عمل شركات “بارنز” التي تتخصص في الحقل القانوني تمكنه كصاحب عمل من تسيير مثل هذا النظام، لما تتسم به هذه الوظائف من مرونة في أغلب حلقاتها ومراحلها، لكن التحدي الحقيقي هو ما إذا كان هذا النظام قابلا للتطبيق في الوظائف الأخرى أم لا؟.

المرشح الخاسر في الانتخابات البريطانية الأخيرة “جيريمي كوربين” كان ينادي في برنامجه الانتخابي بتطبيق أسبوع عمل من 4 أيام على كامل الاقتصاد البريطاني حال فوزه بالانتخابات مع دفع 100% من الراتب، وهو ما يدلل على تنامي هذا الاتجاه حول العالم حتى قبل الجائحة.

الخلاصة أن التخفيض من 14 ساعة و7 أيام عمل على مدار الأسبوع وصولاً إلى النظام الأكثر تعميماً وانتشارا حول العالم بـ 5 أيام و 8 ساعات، كان رحلة طويلة وشاقة دامت لعقود، في حين أن رحلة التخفيض من 5 أيام إلى 4 أيام أو حتى العمل عن بعد قد استغرقت أقل من 10 أعوام، وهذا يدلل على التغير السريع في بيئات العمل، وأنه ربما لم يعُد الموظف هو الطرف الضعيف في المعادلة.

المصادر: أرقام – معهد أبحاث BECKER FRIEDMAN  – دراسة بحثية لدينجل ونايمان – سي إن بي سي  – جلاس دور – فوربس – Economic History Association– إنتربرونور.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق