أخبار العالمأخبار عاجلة

“موازنة استثنائية” تضع سوناك في قلب عاصفة اقتصادية

أعلن وزير الخزانة البريطاني جيريمي هنت موازنة استثنائية تتضمن إجراءات تقشفية بهدف كبح جماح التضخم والحد من ارتفاع حجم الدين العام وضبط العجز في المالية العامة لحكومة رئيس الوزراء ريشي سوناك.

وذلك بعد فترة اضطراب خلفتها إجراءات “كارثية” اتخذتها حكومة رئيسة الوزراء السابقة ليز تراس تضمنت خفضاً للضرائب من دون مصادر تمويل، وهو ما كاد أن يفاقم أزمة الدين العام للحكومة، إلا أن موازنة هنت – سوناك تضمنت زيادة الضرائب على الجميع في بريطانيا وخفض الإنفاق العام للحكومة.

تعهد بالصراحة والعدالة

وبدأ وزير الخزانة بيانه لنواب البرلمان بالقول إنه يدرك أن “المدرسين والممرضين وغيرهم كثير قلقون من المستقبل في ظل المناخ الاقتصادي الحالي”.

وأكد أن حكومته “أمينة في عرض التحديات وعادلة في طرح الحلول”، وذلك تمهيداً لما سيعلنه من زيادة الضرائب وخفض الإنفاق العام.

وأضاف جيريمي هنت في بيانه أن الموازنة ستوفر للخزانة أكثر من 65 مليار دولار (55  مليار جنيه) “يأتي أقل من نصفها من زيادة الضرائب وأكثر من نصفها من خفض الإنفاق الحكومي”.

وأشار إلى أن مكتب مسؤولية الموازنة يوافق على أن هذه الخطة ستجعل الركود الاقتصادي أقل عمقاً، وأن أعداد العاطلين من العمل ستقل بحوالى 70 ألف عن التوقعات إذا لم تتخذ هذه الإجراءات.

وجاءت أرقام الموازنة قريبة جداً من التوقعات على مدى الأيام الماضية، من جهة أن زيادة الضرائب على شرائح الدخل كافة ستوفر للخزانة العامة أكثر من 28 مليار دولار (24 مليار جنيه استرليني)، وأن خفض الإنفاق العام سيوفر للخزانة أكثر من 35 مليار دولار (30 مليار جنيه استرليني).

وأكد هنت في بيانه أيضاً التوقعات بخفض سقف الشريحة الأعلى للدخل الخاضعة للضريبة الجديدة بنسبة 45 في المئة من 177 ألف دولار (150 ألف جنيه استرليني) إلى 148 ألف دولار (125 ألف جنيه استرليني)، ويعني ذلك زيادة في عدد دافعي الضرائب من الشريحة العليا للدخل، وبالتالي زيادة واردات الخزانة العامة، وأكد أن الإنفاق العام للحكومة لن ينمو بأكثر من نمو الاقتصاد بل أقل.

وأعلنت الحكومة قاعدتين ماليتين جديدتين لضبط الحسابات العامة، الأولى هي ضرورة انخفاض الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في العام الأخير من فترة السنوات الخمس المتوقعة، والثانية هي ألا يزيد اقتراض القطاع العام في تلك الفترة على نسبة ثلاثة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

موازنة متوقعة

ومما أعلنه المسؤول البريطاني أيضاً وكان متوقعاً أن السيارات الكهربائية ستخضع لدفع رسوم بداية من عام 2025، وهي حالياً معفاة من ضريبة ورسوم الطرق، كما أن الحد المسموح من دون ضرائب على الأرباح سيتم خفضه، وأيضاً زيادة الضريبة على أرباح شركات الطاقة من نسبة 25 في المئة إلى 35 في المئة.

وتعهد وزير الخزانة أيضاً بإصلاحات لمواجهة التهرب الضريبي، مؤكداً أن ذلك سيوفر للخزانة 33 مليار دولار (28 مليار جنيه استرليني) بحلول العام المالي 2027 – 2028.

لكنه طمأن الشركات بأن الضريبة على أرباح شركات الطاقة ستكون “موقتة”. وأكد أن الضرائب سترتفع خلال السنوات الخمس المقبلة بمعدل واحد في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وبالنسبة إلى تجميد سقف فواتير استهلاك الطاقة للمنازل والمحدد حتى أبريل (نيسان) عند نحو 3 آلاف دولار (2500 جنيه استرليني)، أعلن هنت أن ذلك السقف سيرتفع بعد ذلك إلى 3560 دولاراً (3000 جنيه استرليني) لمدة عام، ومع أن ذلك يظل أقل من السقف المتوقع عند نحو 5 آلاف دولار (فوق 400 آلاف جنيه استرليني) إلا أنه سيمثل عبئاً إضافياً على كلف المعيشة المرتفعة لملايين البريطانيين.

وفي ما يتعلق بخفض الإنفاق قال “إن كل الوزارات والإدارات الحكومية ستكون مطالبة بالتوفير في موازناتها، لكنه أشار إلى أن “خدمة الصحة الوطنية والتعليم لن تمس موازنتهما”.

وأعلن أن موازنة المدارس ستزيد بمقدار 2.7 مليار دولار (2.3 مليار جنيه استرليني) سنوياً.

وأعلنت الحكومة زيادة موازنة خدمة الصحة الوطنية بما يقارب 4 مليارات دولار (3.3 مليار جنيه استرليني) وزيادة الإنفاق على الرعاية الاجتماعية بنحو 3.3 مليار دولار (2.8 مليار جنيه استرليني)، ويجعل ذلك إجمال ما خصصته الموازنة من زيادة لقطاع الصحة والرعاية الصحية والاجتماعية عند نحو 9.5 مليار دولار (8 مليار جنيه استرليني)، كما قال وزير الخزانة هنت للنواب في البرلمان.

وكما كان متوقعاً أيضاً فقد أعلن أن معاشات التقاعد ومخصصات الضمان الاجتماعي ستزيد بمعدل مواز لنسبة التضخم وليس بحسب ارتفاع الأجور.

كما قررت الحكومة الإبقاء على الخفض الموقت في ضريبة الدمغة العقارية، وألغى الزيادة في موازنة وزارة الدفاع التي كانت تعهدت بها الحكومة السابقة عند نسبة ثلاثة في المئة، لكنه أكد أن موازنة الدفاع ستظل عند نسبة اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي “الذي ينكمش منذ الربع الثاني”.

وأكد وزير الخزانة أن خطته هذه من زيادة الضرائب وخفض الإنفاق العام ستؤدي إلى تراجع معدلات التضخم إلى أقل من 10 في المئة، وأنها ستحافظ على الفائدة على قروض الرهن العقاري من دون ارتفاع كبير.

صورة قاتمة

وعلى عكس موازنة وزير خزانة حكومة ليز تراس كوازي كوارتنغ نهاية سبتمبر(أيلول) الماضي والتي لم تخضع لأي تقويم مستقل، طلب وزير الخزانة هنت تدقيق موازنته من مكتب مسؤولية الموازنة.

ويأتي بيان المكتب مساء الخميس عقب إعلان الموازنة في البرلمان، ويرسم صورة قاتمة عن الوضع الاقتصادي العام، ليس فقط حول ارتفاع الأسعار ولكن حول الاقتصاد ككل.

ويقدر المكتب أن المالية العام للحكومة تدهورت بأكثر من ضعف تقديراته السابقة في مارس (آذار) ليصل حجم التدهور إلى 83 مليار دولار (70 مليار جنيه استرليني).

وكان المكتب قدر في الربيع أن يكون عجز الموازنة إلى السنة المالية 2026 – 2027 عند 37.5 مليار دولار (31.6 مليار جنيه استرليني)، لكنه يتوقع الآن أن يصل العجز إلى ما يقارب 118 مليار دولار (نحو 100 مليار جنيه استرليني).

وكان محافظ بنك إنجلترا “المركزي البريطاني” أندرو بايلي قال أمس الأربعاء إن الاقتصاد البريطاني في وضع أسوأ بكثير من الاقتصاد الأميركي واقتصادات أوروبا ما بعد أزمة وباء كورونا.

وخلال مقابلة مع شبكة “سكاي نيوز” قال المدير التنفيذي لمركز الأبحاث الاقتصادية “روزوليوشن فاونديشن” تورستن بل، إنه ينتظر صورة أكثر قتامة من بيان مكتب مسؤولية الموازنة.

وأضاف بل، “أعتقد أننا سنرى صورة أكثر قتامة في بيان مكتب مسؤولية الموازنة وليس فقط أخباراً سيئة عن فواتير الطاقة أو ارتفاع التضخم، بل عن تباطؤ نمو الاقتصاد، فهو أضعف بكثير مما كنا نتوقع من قبل”.

وتوقع بل الذي عمل من قبل في الحكومة وتحديداً في وزارة الخزانة، أن ترتفع معدلات البطالة على عكس ما يعلن حالياً.

وعلى رغم أن الناس سيحصلون على بعض الدعم لمواجهة فواتير الطاقة “على المدى القصير، لكن على المدى الطويل لن يكون هناك سوى زيادة الضرائب وخفض الإنفاق”.

وحذر اتحاد الصناعية البريطانية من أن الموازنة التقشفية ستزيد الأعباء على الشركات والأعمال وعلى جموع البريطانيين، وذلك لأن الاقتصاد بحاجة إلى الإنعاش في ظل الركود الحالي، ومن شأن اجراءات زيادة الضرائب وخفض الإنفاق العام أن تزيد انكماش الناتج المحلي الإجمالي.

الاسترليني والسوق

إلى ذلك انخفض سعر صرف الجنيه الاسترليني خلال تعاملات اليوم الخميس قبل إعلان وزير الخزانة هنت موازنة الخريف أمام البرلمان ظهراً، وفقد 0.2 في المئة من قيمته ليصل سعره إلى 1.18 دولار أميركي للجنيه.

وخسر سعر صرف الاسترليني أمام الدولار ما نسبته 12 في المئة منذ بداية العام حتى الآن.

كذلك بدأت سوق لندن للأوراق المالية تعاملات الخميس على انخفاض قبل إعلان الموازنة، وفتح مؤشر “فايننشال تايمز” للشركات المئة الكبرى على انخفاض بـ 0.6 في المئة.

وفقد المؤشر الرئيس في بورصة لندن واحداً في المئة من قيمته منذ بداية هذا العام، بينما ارتفع العائد على سندات الخزانة البريطانية صباح الخميس بنسبة 0.3 في المئة ليصل إلى 3.36 في المئة. وتتحرك نسبة العائد عكس سعر السندات مما يعني انخفاض قيمة سندات الدين البريطاني مجدداً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق