أخبار عاجلةمنوعات

نظرية الوكز والمحاسبة العقلية .. العوامل الكامنة وراء تشكيل قراراتنا الاقتصادية

هل فكرت يومًا كيف تتخذ قرارات الشراء؟ لماذا تقضي سنوات في الادخار من أجل تجديد بيتك لكن حين تتلقى مكافأة في عملك فإنك تنفقها حتى آخرها بدلاً من ادخارها؟ ما الذي يجعلك تختار هذه السلعة أو تلك في مركز التسوق؟ كل هذه الأسئلة سعى عالم الاقتصاد الأمريكي الحائز على جائزة نوبل «ريتشارد ثالر» للإجابة عنها من خلال علم الاقتصاد السلوكي.
كل يوم نتخذ الكثير من القرارات معظمها نابعة من اللاوعي، فما نقرره إلى حد كبير له علاقة بعاداتنا والسياق الذي تم فيه هذا الاختيار، فما نأكله يتوقف على ما يوضع أمامنا من طعام، والطعام الذي نختاره من المقصف يعتمد على ما إذا كانت أطباق السلطة أم الحلويات موضوعة في مستوى نظرنا، والصحف أو المجلات التي نقتنيها تتوقف على الموضع الذي يتم عرضها به على أرفف المكتبات أو محال بيع الصحف.
نظرية الوكز والاختيار التلقائي
يقدم إلينا «ثالر» مفهومًا جديدًا على علم الاقتصاد وهو هندسة الاختيارات والذي يرى أن الناس في حاجة إلى هيكل لاتخاذ القرارات وهنا تكمن الفرصة في بناء هيكل يقود الأشخاص لاتخاذ قرارات أفضل. يقول «ثالر» إن «فكرة الوكز هو أننا لا يمكن أن نختار في معزل.. لا يمكنك أن تتجنب الوكز مثلما لا يمكنك أن تتجنب هيكل الاختيار».
الأساس أنه لا يوجد قرار محايد، سواء أكان مطعمًا يقدم وجبات أو شركة تعرض على موظفيها قائمة صناديق مشتركة لاستثمار أموال تقاعدهم أو حتى الحكومة التي تقدم خيارات رعاية طبية مختلفة، يجب على أي مَن كان يقدم تلك الاختيارات أن يضعها في إطار ما، وهذا الإطار سيؤثر على عملية اتخاذ القرار. من هنا تأتي أهمية الوكز أو بمعنى آخر التنبيهات، التي تنشئ مسارات بديلة من الأفعال التي تعزز صنع القرارات الجيدة على المدى الطويل مع الحفاظ في الوقت ذاته على حرية الاختيار. المفهوم الذي يطرحه «ثالر» يمثل تحولًا دقيقًا نسبيًا؛ إذ إنه يسمح لواضعي السياسات والمسؤولين عن التخطيط الاجتماعي بتغيير بيئة صناعة القرارات من خلال وضع هيكل أو تصميم للاختيارات يمنح الأفضلية لخيار محدد، عبره يمكن تشجيع الناس على اتخاذ قرارات أفضل تعود عليهم بالنفع بالمعنى العام، والهدف بسيط وهو تشجيع الناس على اللجوء إلى الخيارات التي لا يتم التركيز عليها بشكل كبير. يقول العالم الأمريكي إنه ببساطة إذا كانت منتجات الشوكولاتة موضوعة في مكان غير ظاهر في مراكز التسوق بدلًا من وضعها عند منضدة الدفع لدى الخروج، من المستبعد أن يشتريها المتسوقون، وهنا يظل الخيار للمتسوق سواء قرر الشراء أم لا، ولكن من خلال إزالة عامل الإغراء، يصبح من الممكن حثهم على عدم الشراء. على نحو مماثل، يضرب «ثالر» مثالًا بالمقصف في كلية بوث لإدارة الأعمال في جامعة شيكاغو حيث يعمل أستاذًا، إذ يقول إن أول ما يراه المرء حين يدخل هو اختيارات متنوعة من السلطات، وإنه لكي تختار الطعام غير الصحي، كالهامبرجر والبطاطس المقلية والبيتزا، سيتعين عليك أولا أن تتجاوز صفًا من السلطات، ويقول «هذا مثال على كيف أن أمرًا يبدو ليس على قدر كبير من الأهمية قد يؤثر على ما يأكله الناس، ويحث الناس على تناول أكل صحي.. لا بد من وجود تصميم لذلك المقصف.. لماذا لا نجعله تصميمًا جيدًا». للأمر تطبيقات عدة كان أبرزها في المملكة المتحدة وتحديدًا في قطاع معاشات التقاعد، فمن أجل زيادة معدلات الادخار من أجل التقاعد المنخفضة نسبيًا بشكل مثير للقلق بين العاملين في القطاع الخاص، وجهت الحكومة أرباب الأعمال بوضع مخطط «للتسجيل التلقائي» في عام 2012، ويعني ذلك أنه يجري إدراج العاملين تلقائيًا في برامج الشركة للتقاعد، ويتم خصم المساهمات من رواتبهم، ما لم يطلبوا رسميًا إلغاء إدراجهم. تكمن النظرية في أن العديد من الأشخاص يرغبون بالفعل في تخصيص المزيد من الأموال من أجل معاشات التقاعد، لكنهم يؤجلون هذه الفكرة دون سبب منطقي باستثناء خوفهم من الاضطرار إلى اتخاذ قرارات معقدة.
وهنا فإن التطبيق العملي للفكرة استند إلى أن التسجيل الأوتوماتيكي للموظفين من شأنه أن يجعل الادخار أمرًا نمطيًا للموظفين، وبالتالي يصبح أكثر يسرًا بالنسبة لهم أن يقوموا بما يريدون فعله فعلًا وبما يرفع معدلات الادخار.
النجاح كان حليف التطبيق العملي للنظرية، فمنذ أن طبقت الحكومة البريطانية نظام التسجيل الأوتوماتيكي في عام 2012، قفزت العضوية النشطة في أنظمة التقاعد بين موظفي القطاع الخاص من 2.7 مليون إلى 7.7 مليون في 2016. لكن الأمر لا يقتصر حتى على الاقتصاد والسلوك الاستهلاكي، فمن الممكن تطبيق فكرة الوكز في مجالات متعددة من بينها الرعاية الصحية، فمثلا الساعات الذكية تنبه مرتديها إلى الوقت الذي يقضونه في الجلوس أمام شاشة الحاسوب أو عدد السعرات الحرارية التي قاموا باستهلاكها أو الخطوات التي قطعوها إلى عملهم وحتى ساعات النوم التي تقضيها. ى للأمر تطبيقات واسعة وغير قابلة للحصر، وحين يتعلق الأمر بأنظمة الرعاية الصحية على وجه الخصوص فإن الأمر قد يصل أحيانًا لإنقاذ الحياة؛ فبالنسبة لمرضى السكر مثلا، يمكن استخدام التكنولوجيا لمراقبة مستوى السكر في الدم، وبالتالي ليس من المستبعد أن نتخيل ما يمكن أن تكون الخطوات التالية، فبالإمكان زراعة رقائق لقياس نبضات القلب أو أداة لإدارة بعض جرعات الأدوية بشكل أوتوماتيكي، ومن هنا يطرح الأمر إمكانيات غير محدودة. وجه آخر لاستخدام مفهوم الوكز في التكنولوجيا يكمن في تطبيقها على الآلات المختلفة؛ فمنظمات الحرارة الذكية وأجهزة التلفزيون الذكية وغيرها من الأجهزة المنزلية يمكن أن تدخل في وضع توفير الطاقة وقتما نريد وبالتالي تحسن مقدار الطاقة الذي تستهلكه تلك الأجهزة
تبادلية المال أو المحاسبة العقلية – يرى «ثالر» أيضًا أن الإنسان يجرى ما يُطلق عليه «المحاسبة العقلية» وهي ببساطة الكيفية التي يدير بها الناس ويصنفون أموالهم.
فنحن نتصرف بشكل غير منطقي في المعتاد حين يتعلق الأمر بالمال، لا نفكر مليًا حين نشتري شيئًا ما إذا كنا خصصنا مبلغًا بالفعل لهذا الغرض، وعادة ما نتجاهل الصورة الكبيرة لوضعنا المالي ونستجيب على نحو مختلف لربح الأموال أو خسارتها اعتمادًا على الكيفية التي يعرض بها الموقف أمامنا، بل إن معظمنا يتعامل مع الأموال التي تأتي خارج سياق الميزانية العادية بشكل يتسم بالبذخ في الإنفاق ودون مبرر عقلاني.
وعادة ما يجد الناس أنفسهم مندفعين في ظل وجود أموال غير موضوعة في الحسبان أو مصنفة مسبقًا، لأن هذه الأموال لم يتم وضعها في اعتبار خطتهم للميزانية؛ مثل هذه الأخطاء قد تجعلنا نفرط في الإنفاق وتعرقل جهودنا للادخار.
يقول «ثالر» إن الناس يضعون عادة تصنيفات مسبقة على المال وهو ما قد يساهم في اتخاذ قرارات اقتصادية سيئة بحق، إذ إن معاملة المال كوحدات غير قابلة للتبديل لا يتسم بالحصافة، وإنما يجب أن يتم التعامل مع جميع الأموال على أنها قابلة للاستبدال وأنها على قيد المساواة، كما يجب على الناس أن تقيم الريال بنفس الطريقة سواء اكتسبوه عبر العمل أو تلقوه منحة؛ فالريال الذي تدفعه مقابل شراء قهوتك الصباحية يمكن أن تنفقه لشراء تذكرة حافلة أو على شراء ثياب جديدة. على سبيل المثال، إذا تلقى موظف مكافأة قدرها ألف ريال من شركته، فسينتابه على الفور شعور بأن المكافأة مال زائد عن الحاجة عادة ما يشعر بالحرية لإنفاقه ببذخ لاقتناء سلع أو أنشطة غير ضرورية، مثل الوجبات أو الإجازات الترفيهية أو نفقات أخرى لن يجد تبريرًا لإنفاق دخله المنتظم عليها.

 

الأمر ذاته ينطبق على الاستردادات الضريبية والتعويضات وكذلك الأرباح غير المتوقعة والهدايا المالية.

 

مثال آخر أكثر وضوحًا، حين تسافر على متن خطوط طيران وتفقد حقيبتك، فإن أغلب شركات الطيران تعوضك عن فقدان تلك الحقيبة بعد فترة من الوقت، لكن قطاعًا كبيرًا للغاية من الأفراد قد ينفقون هذا المال على عشاء فاخر مثلا على الرغم من أن مستوى إنفاقهم على الطعام في المعتاد لا يصل أبدًا لمستوى المبلغ الذي تلقونه كتعويض.

 

ومن هنا ينصح «ثالر» أن يعامل الأفراد جميع أشكال المال بنفس الطريقة وإنفاق المكاسب غير المتوقعة بنفس الطريقة التي ينفقون بها الدخل العادي استنادًا إلى خطة مالية قوية.

 

فضلًا عن ذلك يميل الناس إلى تصنيف الأموال وفقًا للاستخدام المزمع لها، هنا يسوق الباحثون مثالًا مثيرًا للاهتمام حول استخدام بطاقات المشتريات أو الهدايا المجانية.

 

فعندما يتلقى الأشخاص بطاقات هدايا من متجر تجزئة بعينه، فإنهم يميلون على الفور إلى استخدامها في شراء السلع التي تمثل النشاط الأساسي لهذا المتجر بدرجة كبيرة.

 

على سبيل المثال، إذا تلقيت بطاقة مشتريات من متجر ملابس يشتهر ببيع السراويل فمن المرجح أن تشتري سروالًا بدلًا من أن تشتري سترة مثلًا من نفس المتجر، لأن الأشخاص قد صنفوا بطاقة المشتريات في حساب ذهني لهذا المتجر بعينه، لذلك يشعرون بأنهم مضطرون لإنفاقها بطريقة تتلاءم مع العلامة التجارية لذلك المتجر.

تجنب آلام الخسارة

يرى «ثالر» أيضًا أن الناس يقيمون الأشياء على نحو أعلى حين يمتلكونها، بمعنى آخر، فإنك ستطلب مقابلًا أكبر لبيع شيء تمتلكه أكثر مما أنت مستعد لدفعه مقابل شراء نفس الشيء.

يرتبط هذا بنظرية تجنب الخسارة، إذ إن الشعور السلبي الذي ينتاب الانسان جراء الخسارة أقوى بكثير من الشعور الإيجابي الذي يشعر به نتيجة الربح، حتى لو كان بنفس القدر.

وهنا تثور نقطة شديدة الحساسية بالنسبة للمستثمرين في أسواق المال قد تهددهم بالخسارة.

 

فحين يمتلك مستثمر أسهمًا في شركتين، إحداهما رابحة والأخرى خاسرة، ويتعين عليه أن يبيع أحدهما للحصول على المال، فإن عقلية المستثمر تتجه إلى اختيار بيع السهم الرابح على الرغم من أن المنطق يقول ببيع سهم الشركة الخاسرة بسبب أن الاحتفاظ بالسهم الخاسر هو استثمار أضعف؛ السبب في ذلك يرجع إلى أن المستثمر اختار تفادي الشعور بالألم الناتج عن تحمل الخسارة على الرغم من أن ذلك هو القرار الأكثر عقلانية.

 

يقول «ثالر»: «يتردد الناس في بيع الأسهم التي خسروا فيها المال.. إذا كنت تبيع سهمًا منخفضًا، سيكون عليك أن تعترف أمام نفسك أنك ارتكبت خطأ، بينما إذا أبقيت عليه، سيكون لديك أمل دوما في أنه ربما يرتفع».

 

أمر آخر يتحكم في قراراتنا الشرائية، فإذا كنت بصدد بيع سلعة ما، فإن السعر المرجعي بالنسبة لك سيكون على الأرجح الثمن الذي دفعته لغرض مشابه، حتى لو كان سعر هذا الغرض الآن أقل قيمة بشكل واضح.. فأنت مرتبط بسعر الشراء ويرجع ذلك إلى أنك تريد تجنب الشعور بالخسارة أيضًا.

 

بحسب طرح العالم الأمريكي، فإن الناس أيضًا يميلون إلى اتخاذ القرارات بناءً على مدى يسر المعلومات المتاحة، فإذا كان بإمكانك تذكر أمر ما بسهولة فمن المحتمل أن تعتمد على المعلومات التي تذكرتها أكثر من الحقائق والملاحظات الأخرى، وهذا يعني أن الحكم الصادر عنك يميل في الغالب لأن يكون مستندًا على أحدث المعلومات التي تلقيتها أو أبسط معلومة استطعت تذكرها.

 

من الناحية العملية، كشفت أبحاث «ثالر» أن المتسوقين الذين يمكنهم تذكر بعض المنتجات منخفضة السعر، ربما بسبب الإعلانات الترويجية، يميلون إلى الاعتقاد بأن المتجر صاحب الإعلان يقدم أسعارًا منخفضة لجميع السلع بشكل شامل، بغض النظر عن وجود براهين مخالفة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق