اقتصاد دولي

الديون الأميركية… معركة حزبية بين الكونغرس والبيت الأبيض

مع تعرض الولايات المتحدة الأميركية لخطر التخلف عن سداد ديونها للمرة الأولى في التاريخ بعد نحو أسبوع واحد من الآن، ظل رئيس مجلس النواب كيفن مكارثي والرئيس جو بايدن، بعيدين عن التوصل إلى اتفاق لرفع حد الديون، بسبب مقاومة الديمقراطيين مطالب الجمهوريين بالحد من الإنفاق، وعلى رغم من تفاؤلهما بإمكانية كسر الجمود الحزبي الذي حال دون اتخاذ إجراء حتى الآن، إلا أن هناك عدة نقاط شائكة تحول دون جسر الهوة بين الطرفين، فما هذه النقاط، ولماذا هي مهمة لكل منهما؟
استمرار الاختلافات:- رغم التفاؤل النسبي في تصريحات بايدن ومكارثي، عقب لقائهما الأخير، الإثنين 22 مايو (أيار) في البيت الأبيض، بإمكانية تحقيق تقدم يؤدي إلى اتفاق ينهي أزمة رفع سقف الدين الأميركي، إلا أن هذه اللحظة الحاسمة التي تأتي قبل أسبوع واحد من الموعد النهائي الذي يلوح في الأفق مع بداية يونيو (حزيران) المقبل، لم تسفر عن اتفاق يسمح برفع حد الاقتراض في الوقت المناسب لتجنب حدوث فوضى محتملة نتيجة التخلف الفيدرالي الأميركي عن السداد، الذي سيعد أمراً غير مسبوق من شأنه أن يرسل موجات صدمة عبر الاقتصاد العالمي، ويسبب ضرراً مالياً لعديد من الأميركيين وغيرهم في جميع أنحاء العالم الذين يعتمدون على الاستقرار المالي والاقتصادي للولايات المتحدة.
وما يثير القلق أن المتشددين من الجمهوريين والديمقراطيين لا يريدون تقديم تنازلات إلى الطرف الآخر، حيث يواصل اليساريون الديمقراطيون الضغط على بايدن لعدم الرضوخ لمطالب مكارثي بخفض الميزانية وبرامج المساعدات الفيدرالية، وعلى الجانب الآخر استمر أعضاء اليمين المتشدد في تجمع مكارثي في الضغط عليه كي لا يقبل أي شيء أقل من تخفيضات الإنفاق التي أقرها الجمهوريون في مجلس النواب في مشروع قانون الحد من الديون الشهر الماضي، والتي كانت ستصل إلى تخفيض بنسبة 18 في المئة في المتوسط على مدى عقد من الزمن.
وكتبت كتلة الحرية في مجلس النواب على «تويتر»، إنه «يجب على الجمهوريين التمسك بموقفهم في شأن سقف الديون، لإعادة الإنفاق إلى الواقع وإعادة العقل المالي إلى واشنطن العاصمة»، مؤكدين أن الحكومة تنفق ما يزيد على مليار دولار أكثر من عائدات الضرائب الفيدرالية كل شهر، وأن واشنطن لديها مشكلة إنفاق وليست مشكلة إيرادات. وبينما أشاد كل طرف بجدية الطرف الآخر خلال الساعات الأخيرة، لكن الاختلافات الأساسية ظلت قائمة حول كيفية تقليص عجز الميزانية السنوية، إذ يبدو الجمهوريون مصممين على خفض الإنفاق، بينما عرض فريق بايدن إبقاء مستويات الإنفاق ثابتة مع زيادة بعض الضرائب على أغنى الأميركيين وبعض الشركات الكبرى، لكن مكارثي قال، إن هذا غير وارد.
حدود الميزانية:- يضغط الجمهوريون لوضع قيود على مستويات التمويل الحكومية التي يمكن للمشرعين الموافقة عليها خلال عملية الاعتمادات السنوية في وقت لاحق من العام الحالي، وخلال الشهر الماضي أقر مجلس النواب الذي يقوده الحزب الجمهوري مشروع قانون من شأنه أن يضع حداً أقصى للتمويل للعام المالي 2024 عند مستويات 2022 المالية، وفرض سقف بنسبة واحد في المئة على نمو الإنفاق لمدة 10 سنوات، على رغم أن اقتراحاً تالياً قلص ذلك إلى نحو ست سنوات.
الاقتراح الجمهوري واجه معارضة شرسة من الديمقراطيين ومسؤولي الإدارة الأميركية، الذين يقولون إن ذلك سيسفر عن تخفيضات كبيرة في البرامج المحلية، ولهذا عرض البيت الأبيض، بدلاً من ذلك، إبقاء الإنفاق لعام 2024 ثابتاً عند الأرقام الحالية لعام 2023 وتحديد سقف بنسبة واحد في المئة على نمو الإنفاق لعام 2025 مما سيوفر 90 مليار دولار في ميزانية 2024 وتريليون دولار على مدى 10 سنوات، وهو ما رفضه الجمهوريون أيضاً، إذ أكد مكارثي ضرورة إنفاق الولايات المتحدة أموالاً أقل مما أنفقته في العام السابق.
ويعد التوصل إلى حل وسط في شأن مستويات الإنفاق الأساسية أن يتيح لمكارثي فرصة تحقيق نتائج أرادها المحافظون في التكتل الجمهوري، في حين أنه لن يكون قاسياً لدرجة أن المتشددين الديمقراطيين يسعون إلى تعطيل الاتفاق في الكونغرس المنقسم لتمرير أي مشروع قانون، حيث لم يرفض رئيس لجنة الميزانية في مجلس الشيوخ الديمقراطي شيلدون وايتهاوس الفكرة، ولكنه قال إنه يريد إلقاء نظرة على الحزمة الكاملة ورؤية عدد من الأشياء للتأكد من أنه اتفاق عادل لن يزيد التفاوت في الدخل سوءاً ولن يزيد الأغنياء ثراء. ومع ذلك، شكك النائب الجمهوري كيفن هيرن، وهو رئيس أكبر تجمع محافظ بمجلس النواب، في احتمالات تمرير مجلس النواب لحل وسط يبقي الميزانية ثابتة للعام المقبل 2024 وهو عام الانتخابات الرئاسية والعامة، كما رفض الجمهوريون البدائل التي اقترحها البيت الأبيض، والتي تدعو إلى تقليل العجز جزئياً بإيرادات جديدة من الضرائب، وأصر مكارثي في محادثاته مع بايدن على أن زيادة الضرائب غير مطروحة على الطاولة. في الوقت نفسه يشير نائب الرئيس الأول للسياسة المالية الفيدرالية في مركز أولويات الميزانية والسياسة جويل فريدمان، إلى أن اقتراح تجميد التمويل بالمستويات الحالية في العام المقبل من شأنه أن يقطع الخدمات التي يمكن أن تقدمها الحكومة بنحو خمسة في المئة، حيث تعمل الحكومة على معالجة التضخم المرتفع.
الإنفاق الدفاعي:- في سعيهم لخفض الإنفاق الحكومي، ركز الجمهوريون إلى حد كبير على تقليل الدولارات التي تنفق على البرامج الحكومية غير الدفاعية مع السماح بزيادة الإنفاق العسكري، حيث تعهد عديد منهم حماية تمويل المحاربين القدامى وبرامج الدفاع على رغم أن قانون سقف الديون الذي أقره مجلس النواب لم يتضمن أي حماية محددة لهم.
النشاط الصناعي الأميركي يواصل التراجع وأزمة الديون تتصاعد:- ومن خلال تجنيب ميزانية الدفاع والمخصصات التي تذهب إلى المحاربين القدامى أي تخفيضات، يسعى المشرعون من الحزب الجمهوري إلى تخفيضات في تمويل مصلحة الضرائب، وتركيز الجزء الأكبر من تخفيضات الإنفاق على برامج فيدرالية أخرى، في حين أن العرض المضاد الذي اقترحه البيت الأبيض هو إبقاء الإنفاق العسكري وغيره من الإنفاق الذي يشمل التعليم والبحث العلمي وحماية البيئة ثابتاً في العام المقبل، مما سيوفر 90 مليار دولار في ميزانية 2024 وتريليون دولار على مدى 10 سنوات.
يعترف عديد من الجمهوريين بأن الحدود القصوى للحد من الإنفاق يمكن أن تجعل من الصعب زيادة تمويل كثير من المجالات، وتعني أيضاً مزيداً من التخفيضات في الإنفاق على البرامج غير الدفاعية التي تمثل أولويات الديمقراطيين الرئيسة، بينما يشير فريدمان إلى أن حماية ميزانية الدفاع من التخفيضات وقبول مستويات خفض التمويل في بعض المجالات التي تعكس أولويات الجمهوريين في مجلس النواب، يعني أن كل شيء آخر سيتعين تخفيضه بنسبة تزيد على 13 في المئة حتى في ظل تجميد الميزانية.
متطلبات العمل:- حظي الصراع حول متطلبات العمل الأكثر صرامة لبرامج المساعدة الفيدرالية باهتمام كبير في مبنى «الكابيتول هيل»، الأسبوع الماضي، ولا يزال الصراع قائماً من دون حل واضح، ففي مشروع قانون تحديد سقف الدين الذي أقره مجلس النواب، ضغط الجمهوريون من أجل تعزيز متطلبات العمل لبرنامج «ميديكيد»، وهو برنامج للرعاية الطبية لأصحاب الدخول المنخفضة في الولايات المتحدة، إضافة إلى برامج مساعدات فيدرالية أخرى للفقراء والمحتاجين مثل برنامج المساعدة الغذائية التكميلية والمساعدة الموقتة للأسر المحتاجة، بما في ذلك تشديد متطلبات العمل للبالغين الأصحاء الذين ليس لديهم معالون.

وبينما أثار بايدن احتجاجات من الديمقراطيين، في وقت سابق من هذا الشهر، عندما بدا أنه فتح الباب أمام قبول بعض متطلبات العمل الأكثر صرامة للمستفيدين من البرامج الفيدرالية الاجتماعية، رغم استبعاده إجراء تغييرات على برنامج «ميديكيد»، لكن النقاشات بين المفاوضين من الطرفين حول برنامج المساعدة الغذائية التكميلية والمساعدة الموقتة للأسر المحتاجة، كانت أقل وضوحاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى